التزكيةسؤال من عبد من عباد اللهالسؤال رقم 1
السؤال
أعباء الحياة تُلهيني عن العبادة.. فكيف أجد طريق الخلوة مع الله؟
أنا أغرق يومياً في بحر من المسؤوليات الحياتية والمنزلية؛ من كنس، وطبخ، ورعاية للصغار ومكدة مستمرة. أشعر بانطفاء روحي وبأنني محروم من لذة العبادة، فلا أجد وقتاً كافياً للصلاة الطويلة أو الطواف، وأخشى أن ألقى الله مقصراً خاوي الوفاض. فكيف أوفق بين واجبي تجاه أسرتي، وبين رغبتي العارمة في التعبد والقرب من الله عز وجل، وهل أعمالي هذه تحرمني من درجات العابدين؟
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد:
فاعلم يا ولدي أن العبادة ليست محصورة في هيئات الركوع والسجود والطواف فحسب، بل إن أبواب القرب من الله عز وجل واسعة ومفتوحة في كل شأن من شؤون حياتك إذا صحت النية. لقد يظن السائر في الطريق أن السعي في أعباء الحياة وخدمة الأسرة هو قاطع لطريق السير إلى الله، وهذا من تلبيس الشيطان الذي يريد أن يضيق عليك واسعاً.
ولنا في مسيرة السيدة فاطمة الزهراء، رضي الله عنها وأرضاها، أسوة حسنة وعلامة نهتدي بها. فهذه السيدة الجليلة، التي أسلمت وهي في عمر الخمس سنوات، وعاشت مسيرة طويلة من العبودية لله، واجهت في بداية زواجها أعباءً ثقيلة مشابهة لما تشكو منه. لقد تعبت من أعمال المنزل من طحن وعجن وكنس، فذهبت إلى أبيها المصطفى صلى الله عليه وسلم تشكو إليه التعب وتطلب خادماً يعينها على مشقة الحياة.
فماذا كان توجيهه صلى الله عليه وسلم؟ هل أعفاها من خدمة بيتها؟ لا، بل علمها كيف تحول هذه العادات والأعباء إلى عبادات ترتقي بها في درجات الجنة. علمها النبي صلى الله عليه وسلم تسبيحاً تختم به يومها، كأنه يرسي قاعدة نورانية تقول: إن الوقوف لعمل كنيس البيت، وطبيخ العيال، وغسيل الهدوم، هو في ذاته صلاة وعبادة متى اقترن بالنية الصالحة وذكر الله مصداقاً للسر المكنون في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
ويؤكد هذا المعنى الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى سنة 505 هـ، حجة الإسلام ومجدد القرن الخامس) بقوله المأثور: "إن العبد إذا نوى بخدمة عياله التقرب إلى الله، صارت حركاته وسكناته في بيته تسبيحاً".
بهذا الذوق العالي، والمعنى الشريف، تحولت أفعالها اليومية إلى أنوار ساطعة، حتى قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «جاءني ملك من السماء وأخبرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة». إنها "الزهراء" الطاهرة المطهرة، البتول التي كانت تلد الظهر وتصلي العصر لكرامتها وطهارتها. هي "الريحانة" و"أم الحسنين" و"أم أبيها". وقد بلغ من سمو مقامها ونورانيتها ما رواه الإمام الطبراني (المتوفى سنة 360 هـ، الحافظ الكبير ومسند الدنيا) في معجمه الكبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلما اشتقت إلى الجنة شممت فاطمة».
فيا ولدي، احتسب كل قطرة عرق في الكد على عيالك أو في خدمة بيتك، واجعل من التسبيح في ختام يومك جابراً لكل تقصير، وستجد حلاوة العبادة في قلبك بإذن الله، فرب عمل صغير تعظمه النية، ورب حركة في خدمة الخلق كانت عند الله أثقل من صلاة الخلوة.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (إشراقات الروح من سيرة البتول: السيدة فاطمة الزهراء أم أبيها)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (إشارات العقيدة واليقين من مسيرة البتول: السيدة فاطمة الزهراء أم أبيها)العقيدة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار التزكية ومقامات السلوك في مسيرة البتول: السيدة فاطمة الزهراء أم أبيها)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (توثيق وتحقيق إشارات العقيدة والسلوك من سيرة السيدة فاطمة الزهراء)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (فتور العبادة بعد الزواج.. كيف نحيي عهودنا الإيمانية القديمة؟)الأسئلة
