السؤال
جفاءُ القلبِ واضطرابُ الفَهمِ في مَقامِ النُّبوَّة: كيفَ أُحبُّ النَّبيَّ وأُعظِّمُهُ دونَ أنْ أَقَعَ في الغُلوِّ؟
أنا شابٌّ مُسلمٌ أُعاني منْ قَسوةٍ وجَفاءٍ غَريبٍ في قلبي كُلَّما جِئتُ لِأُصلِّيَ على النَّبيِّ ﷺ، والذَّنبُ في ذلكَ أنَّني جالستُ بَعضَ مَن يَنهونَ عنْ مَحبَّتِهِ وتَوقيرِهِ بِحُجَّةِ "حِمايةِ التَّوحيد"، حتَّى استقرَّ في عَقلي كلامُهم حينَ يقولون: "هو بَشرٌ مِثلُنا، مَاتَ وانتهى أمرُه".
ورُغمَ أنَّني أعلمُ في دَاخلي أنَّ هذا الجَفاءَ يَحرِمُني منْ حَلاوةِ الإيمان، إلَّا أنَّني أصبحتُ أُقيسُ النَّبيَّ على نَفسي، وأَخافُ منْ أيِّ مَظْهرٍ منْ مَظاهرِ التَّعظيمِ لهُ خَشيةَ الشِّرك.فكيفَ أُعالجُ قلبي منْ هذا المـَرض؟ وكيفَ أَفهمُ حَقيقةَ بَشريَّتِهِ الشَّريفةِ مَعَ الحِفاظِ على صَفاءِ عَقيدتي؟
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن هذا الجفاءَ الذي تشتكي منهُ ما هوَ إلَّا ثمرةٌ مُرَّةٌ لِوهمٍ انطلى على قلبِكَ تحتَ شِعارٍ ظاهرهُ الرَّحمةُ وباطنهُ العَذاب، وهوَ زَعمُ بَعضِ المـَحجوبينَ أنَّ توقيرَ النَّبيِّ ﷺ ومَحبَّتَهُ يُنافيانِ التَّوحيد! والْحقُّ الذي لا مِريةَ فيهِ أنَّ التَّوحيدَ الصَّافيَ هوَ كَمالُ الامتثالِ لِأمرِ الله، ومِنْ أخصِّ أوامرِهِ سبحانَهُ تَعظيمُ هذا الجَنابِ الأَجلّ.
إنَّ دواءَكَ يا ولدي يبدأُ منْ إعادةِ قِراءةِ القرآنِ الكريمِ بـ "بَصيرةِ الافتقار"، لا بـ "عَقلِ الاستكبار".
خُذْ بيدي وتأمَّلْ مَعي في سِرِّ المـُبايعةِ في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾؛ لقد صَدَّرَ الحقُّ سبحانَهُ الآيةَ بأداةِ الحصرِ والقَصرِ "إِنَّمَا"، ولم يقلْ جَلَّ جَلالُهُ "كأنَّما"، فلو قالَ "كأنَّما" لَفتحَ لِعقلِكَ مَجالاً لِلتَّشبيهِ والمجاز، ولكنَّهُ أقرَّ الحقيقةَ اليقينيَّةَ القاطعة: إنَّ وَضعَ يَدِكَ في يَدِهِ ﷺ هيَ في ميزانِ الحقيقةِ عينُ مُبايعتِكَ لله.
ثمَّ انظرْ إلى النِّصفِ الثَّاني منَ الآية: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، وسَلْ نَفسَكَ هذا السُّؤالَ الكاشف: لِمَ قالَ "فَوْقَ أَيْدِيهِمْ" بصيغةِ الغائبِ ولم يقلْ "فوقَ أيديكم"؟ وأينَ ذهبتْ يَدُ رسولِ اللهِ ﷺ في النَّصّ؟ لقد غابتْ يَدُهُ الشَّريفةُ لِتَثبُتَ المـَظهريَّةُ المطلقة؛ فلقد بايعَ اللهُ بِها الخلقَ! فنيتْ إرادتُهُ البَشريَّةُ في إرادة
