Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
حول الشيخ جابر بغدادىسؤال من منى حرقص قريشي

السؤال

لقد فزعنا حين سمعنا من يتهم الشيخ بأنه يشبّه الله عز وجل بصفات البشر، مستشهدين بعبارات له مثل «يضعك الله في حضن رعايته» أو «حِجْر الربوبية»، أو قوله «الله يشتاق إليك».. فهل هذا تجسيم وتشبيه بالخلق، وكيف نفهم هذه العبارات شرعياً؟

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

هذا الاتهام هو نتاج حملة ممنهجة تعتمد على الاجتزاء الخبيث من السياق الوعظي، بهدف إيهام المستمع بأن الشيخ يشبه الله بصفات البشر، وتشتيته بالكامل عن المعاني الإيمانية السامية التي تدور حول قرب العبد من ربه، وعلاقته القائمة على «الوصال والشوق والمحبة» في «مقام الإحسان».

عقيدة فضيلة «الشيخ جابر بغدادي» هي عقيدة أهل السنة والجماعة (الأشاعرة والماتريدية وفضلاء الحنابلة)، وهي قائمة على التنزيه المطلق للذات الإلهية عن الشبيه والنظير والحد والجسم والأعضاء، انطلاقاً من المحكم في كتاب الله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}

أما ما أثير من عبارات، فنفندها بالحقائق اللغوية والشرعية التالية:


معنى «حِجْر الربوبية» و«حضن الرعاية الإلهية» وتأصيله في القرآن وعند السلف:
إن كلمة الحِجْر في لغة العرب تعني الكَنَف، والتربية، والحفظ، والوقاية، ومنه يقال: «نشأ فلان في حِجْر فلان» أي في كفالته ورعايته وحفظه. وهذا اللفظ مستخدم في القرآن الكريم وعند أئمة السلف للتعبير عن هذه الرعاية الشاملة والإحاطة؛ ومنه قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم} (النساء: 23)

.
حيث فسّر أئمة السلف الصالح (كالحافظ ابن كثير ت 774 هـ، وإمام المفسرين ابن جرير الطبري ت 310 هـ) قوله «في حجوركم» بمعنى: في كنفكم، ورعايتكم، وصيانتكم، وتربيتكم

(أخرجه الإمام الطبري ت 310 هـ في جامع البيان عن تأويل آي القرآن، باب تفسير سورة النساء، تفسير قوله تعالى «وربائبكم اللاتي في حجوركم»)

. فالقرآن الكريم استخدم اللفظ الحسي («الحجور») لتقريب معنى الإحاطة والرعاية واللطف والتربية.
وكذلك قوله تعالى:{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ} (الفجر: 5)

، و«الحِجْر» هنا هو العقل لأنه يحجر صاحبه (أي يمنعه ويحميه) من الوقوع في المهالك والقذارات والقبائح، كما قرره اللغويون والمفسرون السلف

(أخرجه الحافظ ابن كثير ت 774 هـ في تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة الفجر، تفسير قوله تعالى «هل في ذلك قسم لذي حجر»)

. فالحِجْر يرجع معناه لغوياً وشرعياً إلى «المنع، والصيانة، والحفظ، والتربية الحانية والكنف».


  1. الرد بـ «النسيان» المنسوب للذات الإلهية في القرآن الكريم:
    إن الذين ينكرون المجاز ويحملون كل لفظ على حقيقته البشرية يقعون في الكفر من حيث لا يشعرون؛ فقد نسب الله عز وجل لنفسه صفة «النسيان» (وهي في حق البشر غفلة ونقص وعيب) في قوله تعالى:{وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا} .
    فهل يجرؤ أحد على القول بأن الله ينسى ويسهو؟ حاشا لله وتنزه سبحانه وتعالى. وقد حسم أئمة السلف الصالح هذا الباب؛ حيث روى أئمة التفسير عن ترجمان القرآن «سيدنا عبد الله بن عباس (ت 68 هـ)» أنه قال في الآية: «نترككم في العذاب كما تركتم العمل لهذا اليوم». وكذلك صنع أمير المؤمنين في الحديث «الإمام البخاري (ت 256 هـ)» في كتابه الصحيح

    (أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن, باب قوله تعالى «اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا»؛ حيث نقل عن ابن عباس وقتادة واللغويين أن معنى ننساكم أي نترككم في العذاب، تأكيداً على التنزيه ونفي السهو والنسيان عن الذات الإلهية)

    . فهذا إثبات ساطع من أئمة السلف أن إطلاق الألفاظ التي يُوهم ظاهرها النقص أو التشبيه إنما هو مجاز لغوي بليغ يُراد به لازم معناه (وهو هنا الترك والعقاب)، ومثله تماماً إطلاق «حضن الرعاية» و«حِجْر الربوبية» لإفادة كمال الحفظ واللطف والتربية.

مسألة «الله يشتاق إليك»:
الشوق في حق الله تعالى هو مجاز وعظي بليغ يعبر عن عظيم رضا الله وفرحه بتوبة عبده وإقباله عليه. وقد ورد في التراث السني في آثار المحبة والرقائق الأثر الشهير الذي تناقله المحققون: «طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم لأشد شوقاً»

(ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي ت 795 هـ في مجموع رسائل ابن رجب (3/ 69)، والشيخ ابن تيمية ت 728 هـ في مجموع الفتاوى (10/ 86)، في سياق ترقيق القلوب وبيان الشوق والوجد في باب المحبة الربانية)

، وهو أثر وعظي جليل استشهد به كبار أئمة الحنابلة لترقيق القلوب بيان الشوق والوجد في باب المحبة الربانية.

إن هذا المجاز يفيض به الوحي الشريف؛ ففي الحديث القدسي الصحيح الذي يرويه النبي عن ربه عز وجل قوله:

«وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»

(متفق عليه؛ أخرجه الإمام البخاري ت 256 هـ في صحيحه، كتاب التوحيد، رقم 7405، والإمام مسلم ت 261 هـ في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، رقم 2675)

فهل يعتقد عاقل من أهل السنة أن الله عز وجل يهرول أو يجري كالبشر؟ حاشا لله وتنزه سبحانه وتعالى عن الحركة والانتقال، بل أجمع العلماء أن الهرولة هنا مجاز عن سرعة قبول الله توبة العبد وإفاضة الرحمة واللطف عليه.


وعليه، فإن التعبيرات الوعظية التي يلقيها فضيلة «الشيخ جابر بغدادي» هي مجازات بليغة للتعبير عن الحفظ واللطف والرحمة الغامرة والوصال القلبي، وليست تجسيماً مادياً كما يتوهم أصحاب العقول الجامدة والقلوب الحاقدة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ليصدوا الناس عن تذوق حلاوة الإيمان ومقامات القرب.