السؤال
دايما قلقان وشايل الهم: كيف أجد النور وطمأنينة القلب؟
"أعاني يا سيدي من قلق دائم يكاد يعصف بقلبي؛ فقد مات لي شخص عزيز ولا أستطيع الرضا أو الصبر على فراقه، وتزامن ذلك مع خيانة صديق كنت أثق به، فأصبحت أشعر بالاضطهاد والغربة في هذا العالم.
قلبي مضطرب ولا أجد للسكينة طريقاً، فكيف أخرج من هذه الظلمات وأتذوق طمأنينة الإيمان؟"
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن هذا القلق الذي ينهش قلبك من جراء الفقد، وتلك المرارة التي تتجرعها من خيانة الصديق والشعور بالاضطهاد، هي عواصف لا تسكن إلا في مرافئ اليقين.
وقد وضع لنا حبيبنا المصطفى روشتة النجاة؛ فاكتب هذه الكلمة النبوية على مكتبك واجعلها نقشاً في سويداء قلبك: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً» (أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، رقم ٣٤).
يا ولدي، إن للإيمان طعماً وذوقاً، وطعمه هو أن تثق بالله فلا تشك أبداً، وأن تفرح بفضله ومشيئته فلا تحزن على ما فاتك.
من أيقن أن رزقه وتدبير أمره على الله، فلن يحزن ساعة.
وما إن يلامس ذوق حلاوة الإيمان وجدانك، فإن أي شيء يخيفك في هذا العالم المستوحش سترده عنك بيقين الأنبياء، متدثراً بقول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
إن سألتني عن حلاوة الإيمان التي داوت قلق الصالحين، فقد بينها الشيخ جابر بغدادي بأنها اليقين، وهي الفرحة بالله، وهي شهود أفعاله في الكون، وهي القرب منه.
حلاوة الإيمان هي الثقة التامة، وهي الاستغناء بالله عما سواه، وهي التوحيد الخالص، والأنس الجميل به.هي النور الذي نميز به بين الحق والباطل، وهي السعادة والطمأنينة والسكينة التي تداوي جراح الخيانة والفقد.
وإذا أردت أن تعيش هذا الطعم، وتصل إلى الحال الذي عبر عنه الإمام العارف إبراهيم بن أدهم (المتوفى سنة ١٦٢ هـ، الإمام القدوة وأحد أساطين الزهد والتزكية) حين قال: "والله إن لنا حالاً مع الله لو علموه عنا ملوك الأرض لقاتلونا عليه بالسيوف"؛ فاقرأ بتدبر قول الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
هؤلاء هم من عاشوا في "دولة الحب المتبادل" بين الخالق والمخلوق، فلا يرهقهم قلق الدنيا ولا وحشتها.
ولكي ترضى وتذوق هذا النعيم، عليك بتحقيق ثلاثة مقامات: أولها أن ترضى عن الله؛ فتقنع بحكمته البالغة، وتشكر نعمته، وتعظمه في منته، وتوحده فلا تشرك به شيئاً، وأعظم مراقي هذا الرضا ألا تعترض على أحكامه وقضائه.
وثانيها أن ترضى بالإسلام ديناً؛ فتبتعد عن البدع وتعمل بشرع الله.
وثالثها أن ترضى بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً؛ بأن تقدمه إماماً، فيكون قدوتك في الصبر عند الفجيعة، وقدوتك في الحمد، وفي الرحمة، وفي العطاء، وتجعل من سيرته وحاله درسك ومدرستك التي تتخرج منها بقلب سليم.
