بقلم: الشيخ جابر بغدادي
الكلمة التي تزلزل المحن وتبدد الغموم: أسرار اليقين في غزوة غطفان | الدكتور جابر بغدادي.
حينما تُحاط في حياتك بمحنة ثقيلة الأوطار، فاهتف من أعماق روحك وقل: "الله". إن قوة إيمان المؤمن إنما تتجلى في وقت الشدة، فتراها تفك أغلال المصائب المستعصية التي تخالها، يا ولدي، بلا حل أو مخرج؛ فمن كان مع الله في سره وجهره، لا يعتريه خوف من غيره أبداً، مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾⁽¹⁾.
ولنا في غزوة غطفان خير شاهد وميدان؛ تلك الغزوة التي هزم فيها سيدنا النبي الأكرم ﷺ كل جحافل أهل غطفان بكلمة واحدة، هي كلمة "الله"⁽²⁾. فقد عمدت بعض الأسر والقبائل هناك إلى تحريض وتسليط بعضهم على بعض، ليشنوا غارة غادرة على النبي ﷺ في المدينة المنورة. فما كان من سيدنا رسول الله إلا أن تجهز ومضى إليهم، واصطحب معه أربعمائة وخمسين رجلاً من أصحابه الكرام. وما إن استشعر هؤلاء القوم بقدوم ركب النبوة، حتى تفرقوا أيدي سبا، وهربوا جميعاً واختفوا في رؤوس الجبال الشاهقة.
ومضى سيدنا النبي ﷺ حتى بلغ ديارهم فلم يجد منهم أحداً. وهنالك أنزل الله غيثه ومطره، فابتلت الملابس الشريفة لسيدنا رسول الله ﷺ من ماء المطر الطيب، فقام ﷺ بخلع ردائه وعلقه على فرع شجرة ليجف، وعلق سيفه المهند إلى جواره، ثم استراح. وإنما أراد بفعله ومقامه هذا أن يبعث لهم رسالة بيانية صامتة مفادها: لقد جئنا دياركم وأطللنا عليكم فلم نجدكم، وما قفلنا راجعين، بل نِمنا واسترحنا في عقر دياركم، وقد ألقينا جلباب الطمأنينة الكاملة على أنفسنا، فمن أراد أن يبرز لنا فليتفضل متى شاء.
ونام سيدنا النبي ﷺ قرير العين. وفي غمرة ذلك السكون، تسلل رجل من الأعداء يُدعى دُعثور بن الحارث، فاقترب حثيثاً حتى أمسك بتلابيب المصطفى ﷺ، وأشهر سيفه في وجهه قائلاً في خُيلاء الكفر: "يا محمد، من يمنعك مني الآن؟"⁽³⁾. فرمقه سيدنا النبي ﷺ بنظرة الواثق بربه، وقال بصوت يملأ الوجود جلالاً ومهابة: "الله".
وما إن نطق سيدنا النبي بكلمة "الله"، حتى نزل جبريل عليه السلام مسرعاً، كما أخرج أصل القصة الإمام محمد بن إسماعيل البخاري [المتوفى سنة 256هـ، أمير المؤمنين في الحديث] في صحيحه برقم (4135)⁽⁴⁾، وكما فصلها الإمام أبو بكر البيهقي [المتوفى سنة 458هـ، الملقب بشيخ السنة]⁽⁵⁾ مبيناً أن جبريل عليه السلام غطّ الأعرابي في صدره وضربه ضربة قوية، خرّ على إثرها صريعاً ملتمياً على الأرض، وسقط السيف من يده المرتجفة.
حينها أمسك النبي ﷺ بالسيف وقال متسائلاً بحلم النبوة: «يا هذا، من يمنعك مني الآن؟». فارتعد الرجل وقال مقراً بالحق: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والله يا رسول الله لا أظاهر أحداً عليك أبداً"⁽⁶⁾. فالله أكبر.
وعاد الرجل إلى قومه يروي نبأ ما جرى، فقال لهم مندهشاً: "لما وقفت وهممت أن أضربه، حال بيني وبينه رجل طويل عظيم، لقد لطمني في صدري لطمة، والله ما هذا بشر، إني رأيت ملكاً عظيماً". تأمل يا ولدي مقام هذه الثقة العظيمة؛ إنها الثقة التي لا تتجلى ولا تتبين معادنها إلا في اللحظات العصيبة والأوقات الصعبة، حين تلهج الروح بكلمة: "الله".
الله! إن العبد المؤمن حين يقف بين يدي ربه في جوف الليل وفي أوقات الأسحار، فيتخضع لجلاله، ويتبتل إليه تبتيلاً، ويدندن بذكر اسم الجلالة، فيحرق أغياره باسم الجلالة، ويدكدك جبال نفسه الطينية بنور الجلالة قائلاً: "الله". فعندها، لعل ذلك القرين الذي يقبض على سيف الأغيار، ويقف على رأسك مهدداً متوعداً ويقول لك في كل خطيئة: "من يمنعك مني الآن؟"، تأتيه قبضة روحانية محمدية تقذفه في صدره، فتهزمه شر هزيمة وتبعده عنك.
ولكن العيب فيك يا ولدي أنك لا تنهض بعزيمة الرجال الخُلَّص، فلا تعرف كيف تقوم بالليل في وقت التخضع والتجلي الأعظم لتكسر أصنام شهواتك. ألم تنظر إلى أبينا سيدنا إبراهيم عليه السلام، حين انقض على الأصنام؟ كما أخبرنا الحق تبارك وتعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾⁽⁷⁾. فقد نهض في غفلة من القوم وقصد تلك الأصنام، فأمسك بها جميعاً وكسرها. فانهض وافعل فعله؛ ادخل في جوف الليل إلى معبد قلبك، وكسر أصنام الأغيار دكاً دكاً، حتى يشرق نور الرحمانية الساطع على أرض جسمانيتك المظلمة، وحتى يؤذن فيك مؤذن روحاني نداءه الخالد: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾⁽⁸⁾.
نعم يا ولدي نعم، ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾⁽⁹⁾. ومثل ذلك جنود الذكر، إذا دخلوا قرية القلب أفسدوها على كل ما سوى الله، وطردوا منها الأغيار، وجعلوا أعزة أهلها، أولئك الذين كانوا يمشون في الأرض بغرور وعزة نفس موهومة، أذلة منكسرين خاضعين لله، وكذلك يفعلون.
ولنعد إلى ذلك المشهد المهيب، حين قال الأعرابي: "من يمنعك مني الآن؟"، فقال رسولنا: "الله". وتخيل يا ولدي أن كلمة "الله" هذه تخرج من أعماق الجوف، من ذلك الجوف النوراني المحمدي، خرجت خالصة مركزة: "الله... الله". وإن لذكر الله في القلوب لخمرة روحية لا يُدانيها شيء، كما أشار إلى ذلك الإمام عمر بن الفارض [المتوفى سنة 632 هـ، والملقب بسلطان العاشقين]⁽¹⁰⁾ في خمريته البديعة حين عبر عن الخمرة الإلهية والذكر الرباني بقوله:
"ولو ذُكرت في الحيِّ أصبحَ أهلُهُ نشاوى ولا عارٌ عليهمْ ولا إثمُ
ولو رَسمَ الرَّاقي حُروفَ اسْمِها على جَبينِ مُصابٍ جُنَّ أبرأهُ الرَّسْمُ
تُهَذِّبُ أخلاقَ النَّدامى فيَهتَدي بها لطَريقِ العَزمِ مَن لا لَهُ عَزمُ
ويَكْرُمُ مَن لَم يَعرفِ الجُودَ كَفُّهُ ويَحلُمُ عِند الغَيظِ مَن لا لَهُ حِلمُ"⁽¹¹⁾.
نعم، إنها كلمة "الله" نعم. فيا لروعة صلاة النبي على نفسه الزكية الطاهرة. وعليه، فليبكِ الباكي ويندب حظه؛ "فليبكِ من ضاعَ عمرُه ولم يجنِ منها نصيباً ولا سهماً"⁽¹²⁾.
