Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/موسوعة التوثيق العلمي/علاج نبوي للتخلص من الغيرة المذمومة

علاج نبوي للتخلص من الغيرة المذمومة

1 استشهادات موثقةشخصية تاريخية موثقة (2)موقعة تاريخية معتمدة (1)حديث صحيح (1)أثر صحيح (1)حديث متفق عليه (1)

تفريغ الكلمة المباركة

آهٍ يا ولدي، كم هتكت الغيرة العمياء من أواصر للأخوة، وكم قطعت من حبال الإرادة المتينة بين السالكين في دروب الله! غير أن الجيل الأول من الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين- قد سطروا لنا في ذلك درساً جليلاً بمداد من نور؛ فقد تنازلوا بطيب خاطر إكراماً للسيدة جويرية ⁽¹⁾ (أم المؤمنين)، لمكانة نسبها ومصاهرتها من رسول الله ، عما أولاهم الله إياه من غنائم الحرب وسباياها. وفي المقابل، نجد أم المؤمنين عائشة ⁽²⁾ (الصديقة بنت الصديق) -رضي الله عنها- قد تسامت وتنازلت عما اعتلج في صدرها من الغيرة البشرية الفطرية، إكراماً لرسول الله ، وضرباً من ضروب الحب الصادق والفناء في إرادة المحبوب. وفي تفصيل ذلك المشهد المهيب، نرحل بقلوبنا إلى شهر شعبان المبارك، حين التقى سيدنا ومولانا محمد بهؤلاء القوم من بني المصطلق عند ماء يُعرف بـ «المريسيع» ⁽³⁾ (أيام غزوة بني المصطلق). وكان من جملة الأسرى الذين أُسروا في ذلك اليوم السيدة جويرية بنت الحارث، التي غدت فيما بعد أماً للمؤمنين. وتروي لنا السيدة عائشة الطاهرة، بقلبها الصافي، قصة مجيئها إلى رسول الله تبغي فداء نفسها وتطلب إعانته في دفع مبلغ مكاتبتها. وتقول السيدة عائشة واصفة إياها: «كانت جويرية -رضي الله عنها- مليحة ملاحة»، تأخذ بمجامع القلوب لكل من رآها. فلما مثلت بين يدي المصطفى ، قالت له بانكسار الأسير ورجاء المحتاج: إني كاتبت فلاناً على نفسي، وأنا أريد أن تضمني وتعيني. فما كان من الحبيب المختار، الذي يتصرف بنور النبوة وحكمة الوحي، إلا أن قابل رجاءها بما هو أعظم، فقال لها بلسان الرأفة والرحمة: «ألا أدعوك إلى خير من ذلك؟» فقالت بلهفة المكروب: وما ذاك يا رسول الله؟ قال : «أن أتزوجك» ⁽⁴⁾ (سنن أبي داود). فوافقت راضية مستبشرة، وتزوجها النبي . وما إن تناهى إلى أسماع الصحابة الأطهار خبر هذا الزواج الميمون، حتى سرت في أرواحهم نفحات الأدب والمحبة الخالصة. فكل من كان بيده أسير من قومها، التفت إليه قائلاً: أنت الآن قريب رسول الله وصهره، فتوكل على الله، أنت حر لوجه الله! فعلوا ذلك إكراماً لنسب النبي وتعظيماً لجنابه الشريف. وهنا تعود السيدة عائشة لتكمل حديثها، شاهدة بالحق والإنصاف قائلة: «ما رأيت امرأة كانت أعظم بركة من جويرية على أهلها» ⁽⁵⁾ (مسند أحمد)؛ فقد أعتق الله ببركة زواجها منه مائة أسرة من بني المصطلق. لتعلم يا ولدي، ويا أيها السالك في دروب المحبة، أن هؤلاء الرجال الأشاوس ما كانوا يجاهدون طلباً لسرقة أموال الناس أو استعبادهم، وما امتشقوا الحسام يوماً لإرغام أحد على الدخول في الإسلام كُرهاً وغصباً. بل كانوا أصحاب رسالة، تشرَّبوا معاني الذوق والأدب، وكانوا يعرفون جيداً ما معنى التضحية لأجل النبي، وكيف تُبذل الأرواح والمهج والأموال إكراماً له ولمن انتسب إليه. لقد كان زواج سيدنا النبي من السيدة جويرية ينطوي على حكمة ربانية علوية، ترتقي بعيداً جداً عن مستوى الأشباح والشهوات الدنيوية التي قد يظنها قاصرو الفهم. كأنهم في منهجهم الشريف يعملون بسياسة وتوجيه حديثه الشريف: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» ⁽⁶⁾ (صحيح البخاري). فالرجوع برجل واحد إلى حياض الإسلام أفضل من أن تُساق لك مائة ناقة، والفوز بأسرة مسلمة ينشأ فيها طفل يوحد الله ويقول كلمة الإخلاص أفضل وأحب إليهم من أن تأتيهم ديار القوم وأموالهم وكنوزهم قاطبة. فبمجرد أن عقد عليها النبي ، كانت ببركة هذا الوصل النبوي أكثر النساء يمناً وبركة على قومها وأهلها.

بيان التوثيق العلمي

1
شخصية تاريخية موثقة
1- شخصية تاريخية موثقة السيدة جويرية بنت الحارث (توفيت سنة 50 هـ، أم المؤمنين). زواج النبي ﷺ منها كان بأمر إلهي ومقصد دعوي عظيم. وقد أجاد الشيخ جابر بغدادي في إبراز هذا المعنى رداً على من يقرأ السيرة بعين الجفاف، مبيناً أن مصاهرة النبي ﷺ هي محض بركة، وهذا من «القياس الوعظي» الذي يرقق القلوب ويهديها، ورفض هذه المعاني الروحية ليس إلا تعنتاً وحرماناً من أنوار النبوة، ومحاولة خبيثة لتقزيم المقامات. 2- شخصية تاريخية موثقة السيدة عائشة بنت أبي بكر (توفيت سنة 58 هـ، الصديقة بنت الصديق وأفقه نساء الأمة). إيراد الشيخ جابر بغدادي لموقفها العظيم وتنازلها عن الغيرة هو تأصيل لمنهج أهل السلوك في «مقام الإحسان» والتخلي عن حظوظ النفس إكراماً لمقام النبوة، وفي ذلك رد استباقي على المتنطعين الذين يجردون السيرة من مواقف التزكية وترويض القلوب، فحب النبي ﷺ مقدم على كل حظ دنيوي. 3- موقعة تاريخية معتمدة غزوة بني المصطلق أو المريسيع، وقعت في السنة الخامسة أو السادسة للهجرة كما نص الإمام ابن إسحاق (توفي سنة 151 هـ، إمام أهل المغازي والسير). استنباط الشيخ جابر بغدادي لأحداثها هو درع واقٍ يحمي المستمع من شبهات أعداء الدين والمنهج السلفي المتشدد الذي يسطح أحداث السيرة، مبيناً أن غاياتها كانت هداية لا غنائم، وتأليفاً للقلوب لا إكراهاً للأبدان. 4- حديث صحيح أخرجه الإمام أبو داود (توفي سنة 275 هـ، إمام أهل السنة وصاحب السنن) في سننه، كتاب العتق. ومتن الحديث كاملاً: «ألا أدعوك إلى خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أتزوجك وأقضي عنك كتابتك. قالت: نعم». وفيه دلالة قاطعة على كمال رحمته ﷺ، وهو رد صارم وواضح في تأييد ما ذهب إليه الشيخ جابر بغدادي من أن أفعال النبي ﷺ لا تُقاس بمقاييس البشر، بل هي محض «تشريع وهداية»، ومن يحارب هذه النظرة التوقيرية والمحبة الصافية فهو يعاني من بغض مبطن تحت ستار الدفاع عن السنة. 5- أثر صحيح أخرجه الإمام أحمد في مسنده (توفي سنة 241 هـ، إمام أهل السنة والجماعة). ومتن الأثر كاملاً: «فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها». استدل به الشيخ جابر بغدادي لإثبات «البركة المحمدية»، ومن ينكر هذه البركات أو يحاول تقزيم مقامات الأولياء والأنبياء فهو يتبع منهجاً سقيماً وجفافاً روحياً لا يمت لروح الإسلام ومحبة أهل البيت بصلة. 6- حديث متفق عليه أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (توفي سنة 256 هـ، أمير المؤمنين في الحديث)، والإمام مسلم في صحيحه. ومتن الحديث كاملاً: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم». وهذا الحديث أصل في «علم السلوك» وتزكية الدعاة، وقد أبدع الشيخ جابر بغدادي في توجيهه كدليل قاطع على أن الفتوحات الإسلامية لم تقم على السلب والنهب، مدافعاً بقوة عن الرصيد الروحي للأمة، وداحضاً شبهات المشككين الذين يقرؤون النصوص بمعزل عن أنوار الرحمة المحمدية.
العودة إلى موضع القراءة

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.