عقيدة المحبة وعصمة النبوة في غزوة بني المصطلق: قراءة عقدية في فكر الشيخ جابر بغدادي
آهٍ يا ولدي، كم هتكت الغيرة العمياء من أواصر للأخوة، وكم قطعت من حبال الإرادة بين السالكين في دروب الله! غير أننا حين نقف على أعتاب الجيل الأول من الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين- نجد أنفسنا أمام لوحة عقدية متكاملة، تتجلى فيها حقيقة الإيمان وعقيدة المحبة الخالصة لرسول الله ﷺ. لقد تنازل هؤلاء الأطهار بطيب خاطر إكراماً للسيدة جويرية ⁽¹⁾، لمكانة نسبها ومصاهرتها من رسول الله ﷺ، عما أولاهم الله إياه من غنائم الحرب. وفي المقابل، تسامت أم المؤمنين عائشة ⁽²⁾ -رضي الله عنها- وتنازلت عما اعتلج في صدرها من الغيرة البشرية، إكراماً لرسول الله ﷺ، وضرباً من ضروب الحب الصادق الذي هو أصل من أصول عقيدتنا؛ إذ لا يكمل إيمان العبد حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به الحبيب ﷺ. وفي تفصيل هذا المشهد المهيب، الذي يرويه لنا الشيخ جابر بغدادي بلسان العارفين، نرحل بقلوبنا إلى شهر شعبان المبارك، حين التقى سيدنا ومولانا محمد ﷺ بهؤلاء القوم من بني المصطلق عند ماء يُعرف بـ "المريسيع". وكان من جملة الأسرى السيدة جويرية بنت الحارث. وتروي لنا السيدة عائشة الطاهرة قصة مجيئها إلى رسول الله ﷺ تبغي فداء نفسها. تقول السيدة عائشة واصفة إياها: "كانت جويرية -رضي الله عنها- مليحة ملاحة". فلما مثلت بين يدي المصطفى ﷺ، قالت له: "إني كاتبت فلاناً وأنا أريد أن تضمني". فما كان من الحبيب المختار، الذي يتصرف بنور الوحي، إلا أن قابل رجاءها بما هو أعظم، فقال لها: «ألا أدعوك إلى خير من ذلك؟» فقالت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال ﷺ: «أن أتزوجك» ⁽³⁾. فوافقت وتزوجها النبي ﷺ. وهنا يا ولدي، يجب أن نقف وقفة عقدية صارمة، نتخذ فيها التدابير الاحترازية لحماية جناب التوحيد وعصمة النبوة من أوهام المستشرقين والماديين. فاعلم يقيناً أن زواج سيدنا النبي ﷺ هنا لم يكن قط عن رغبة دنيوية أو هوى بشري قاصر، وحاشاه ﷺ أن يكون كذلك، بل كان لحكمة ربانية علوية ترتقي، كما يصف الشيخ جابر، "أبعد من مستوى الأشباح". إن أفعال النبي ﷺ كلها دائرة في فلك العصمة والتشريع؛ فهو بشر يوحى إليه، وما ينطق ولا يفعل عن الهوى. وزواجه منها كان سياسة دعوية ربانية تهدف إلى تأليف القلوب، ونقل قومها من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد. وما إن تناهى إلى أسماع الصحابة الأطهار خبر هذا الزواج، حتى ظهرت ثمار العقيدة الصحيحة في قلوبهم. فكل من كان بيده أسير من قومها قال: "أنت قريب رسول الله، توكل على الله"، وأعتقوهم إكراماً لنسب النبي ﷺ. وهنا تكمل السيدة عائشة شهادتها المنصفة قائلة: "ما رأيت امرأة كانت أعظم بركة من جويرية على أهلها" ⁽⁴⁾؛ فقد أعتق الله بها مائة أسرة. وفي هذا الموقف يصحح الشيخ جابر بغدادي مفهوماً عقدياً خطيراً التبس على الكثيرين، ألا وهو الغاية من الجهاد والفتوحات. يقول الشيخ محذراً ومنبهاً: "عشان نعرف إن الناس دول ما كانوا يجاهدوا عشان يسروا أموال الناس، ما كانوا يحاربوا الناس عشان يرغموهم على الإسلام". إن عقيدتنا الإسلامية تنص صراحة على أنه ﴿لا إكراه في الدين﴾، وأن الغاية العظمى هي تعبيد الخلائق لرب العالمين حباً واختياراً. لقد كان الصحابة يعرفون جيداً "يعني إيه لاجل النبي"، وكانوا يتحركون بسياسة نبوية قائمة على الحديث الشريف: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» ⁽⁵⁾. نعم يا ولدي، إن رجوع رجل واحد إلى حياض الإسلام، وتكوين أسرة مسلمة ينشأ فيها طفل يقول "لا إله إلا الله"، أفضل وأحب في عقيدة المسلم من أن تأتيه ديار القوم وأموالهم وكنوزهم. هذه هي عقيدة الهداية؛ أن نرى في خلق الله عباداً لله، وأن نسعى لإنقاذهم لا لسلبهم. فبمجرد أن تزوجها النبي ﷺ، حلت البركة العقدية والروحية، وتحول الأسرى إلى أحرار موحدين، لتتجلى عظمة هذا الدين الذي جاء رحمة للعالمين، ولتبقى هذه القصة درساً في محبة النبي ﷺ، والتسليم لحكمته، وتنزيه جنابه الشريف عن كل غرض دنيوي زائل.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (علاج نبوي للتخلص من الغيرة المذمومة: نفحات من غزوة بني المصطلق)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه المقاصد النبوية في غزوة بني المصطلق: استنباطات وأحكام من رحم السيرة)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات المحبة وعلاج حظوظ النفس: قراءة صوفية في مدرسة بني المصطلق)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (علاج نبوي للتخلص من الغيرة المذمومة)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (علاج القلوب من داء الغيرة المذمومة وحظوظ النفس)الأسئلة
وقت القراءة
