السؤال
علاج القلوب من داء الغيرة المذمومة وحظوظ النفس
أعاني يا سيدي من نار تحرق قلبي وتكاد تدمر حياتي، ألا وهي الغيرة الشديدة العمياء. كلما رأيت خيراً سيق إلى غيري، أو أحسست بمن ينافسني في محبة أو مكسب، اعتلج صدري بالضيق والمنافسة المذمومة، حتى كادت هذه الغيرة أن تقطع أواصر الأخوة بيني وبين أحبابي، وتفسد عليّ نقاء ديني وإرادتي. كيف أتخلص من هذا الداء العضال، وكيف أروض نفسي التي تغار وتطالب بحظوظها؟
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن الغيرة العمياء داء عضال متى ما تمكن من القلب أظلمه، وكم هتكت هذه الغيرة من أواصر للأخوة، وكم قطعت من حبال الإرادة والمحبة بين السائرين في طريق الله. ولنا في الجيل الأول من أصحاب رسول الله ﷺ، وفي بيته الشريف، الأسوة الحسنة والبلسم الشافي لكيفية استئصال هذا الداء بالتسليم والمحبة وتقديم مراد المحبوب على حظوظ النفس. تأمل يا ولدي ما حدث في شهر شعبان، في غزوة بني المصطلق عند ماء يُسمى "المريسيع"، حين وقعت السيدة الطاهرة جويرية بنت الحارث في الأسر. يروي لنا الإمام أبو داود (المتوفى سنة 275 هـ، إمام أهل السنة وصاحب السنن) في سننه، أن السيدة جويرية، وكانت مليحة ملاحة، أرادت أن تفدي نفسها، فذهبت إلى رسول الله ﷺ تطلب منه أن يضمنها ويعينها في مكاتبتها. فما كان من الحبيب المصطفى ﷺ إلا أن قابل انكسارها بجبر عظيم ورحمة واسعة، فقال لها: «ألا أدعوك إلى خير من ذلك؟... أن أتزوجك». هنا يا ولدي يتجلى أعظم علاج لداء الغيرة وحظوظ النفس المادية والقلبية؛ فقد كان للصحابة الكرام حق مشروع فقهياً في الأسرى والغنائم، ولكن بمجرد أن علموا بمصاهرة النبي ﷺ للسيدة جويرية، تركوا ما تهواه أنفسهم، وتنازلوا بطيب خاطر عن مكاسبهم إكراماً لرسول الله ﷺ، وأعتقوا مائة أهل بيت من بني المصطلق. والأعظم من ذلك، ما قدمته لنا السيدة عائشة (المتوفى سنة 58 هـ، الصديقة بنت الصديق وأفقه نساء الأمة)، حيث تسامت وتنازلت عما في قلبها من الغيرة البشرية الفطرية إكراماً لرسول الله ﷺ، وضرباً من ضروب الحب الخالص الذي يفنى فيه المحب عن حظه لأجل محبوبه. بل وأنطقت لسانها بالإنصاف والفضل لضرتها قائلة: "ما رأيت امرأة كانت أعظم بركة من جويرية على أهلها". هذا هو العلاج يا ولدي؛ أن ترتقي بنظرك من مستوى الأشباح والطين إلى آفاق الأرواح، فالنبي ﷺ لم يتزوجها لمجرد الرغبة، بل لحكمة ربانية وسياسة نبوية علوية، تتوافق مع التوجيه النبوي الذي أخرجه الإمام البخاري (المتوفى سنة 256 هـ، أمير المؤمنين في الحديث) في صحيحه: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم». فمتى ما جعلت غايتك هداية الخلق، والفرح بنعمة الله عليهم، وإعلاء كلمة الله ورسوله فوق كل اعتبار، انطفأت نار الغيرة في صدرك. تذكر دائماً أن غاية المؤمن ليست جمع الغنائم الدنيوية ولا تصدر المجالس، بل الغاية أن يرى نور الإيمان يشرق في القلوب، فإذا امتلأ قلبك بهذا المعنى النبوي، برئ من الغيرة واستراح في مقام الرضا والتسليم.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (علاج نبوي للتخلص من الغيرة المذمومة: نفحات من غزوة بني المصطلق)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة المحبة وعصمة النبوة في غزوة بني المصطلق: قراءة عقدية في فكر الشيخ جابر بغدادي)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه المقاصد النبوية في غزوة بني المصطلق: استنباطات وأحكام من رحم السيرة)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (مقامات المحبة وعلاج حظوظ النفس: قراءة صوفية في مدرسة بني المصطلق)التزكية والتصوف
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (علاج نبوي للتخلص من الغيرة المذمومة)التوثيق العلمي
