بقلم: الشيخ جابر بغدادي
علاج نبوي للتخلص من الغيرة المذمومة: نفحات من غزوة بني المصطلق
علاج نبوي للتخلص من الغيرة المذمومة: نفحات من غزوة بني المصطلق
آهٍ يا ولدي، كم هتكت الغيرة العمياء من أواصر للأخوة، وكم قطعت من حبال الإرادة المتينة بين السالكين في دروب الله! غير أن الجيل الأول من الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين- قد سطروا لنا في ذلك درساً جليلاً بمداد من نور؛ فقد تنازلوا بطيب خاطر إكراماً للسيدة جويرية ⁽¹⁾ (أم المؤمنين)، لمكانة نسبها ومصاهرتها من رسول الله ﷺ، عما أولاهم الله إياه من غنائم الحرب وسباياها. وفي المقابل، نجد أم المؤمنين عائشة ⁽²⁾ (الصديقة بنت الصديق) -رضي الله عنها- قد تسامت وتنازلت عما اعتلج في صدرها من الغيرة البشرية الفطرية، إكراماً لرسول الله ﷺ، وضرباً من ضروب الحب الصادق والفناء في إرادة المحبوب. وفي تفصيل ذلك المشهد المهيب، نرحل بقلوبنا إلى شهر شعبان المبارك، حين التقى سيدنا ومولانا محمد ﷺ بهؤلاء القوم من بني المصطلق عند ماء يُعرف بـ "المريسيع" ⁽³⁾ (أيام غزوة بني المصطلق). وكان من جملة الأسرى الذين أُسروا في ذلك اليوم السيدة جويرية بنت الحارث، التي غدت فيما بعد أماً للمؤمنين. وتروي لنا السيدة عائشة الطاهرة، بقلبها الصافي، قصة مجيئها إلى رسول الله ﷺ تبغي فداء نفسها وتطلب إعانته في دفع مبلغ مكاتبتها. وتقول السيدة عائشة واصفة إياها: "كانت جويرية -رضي الله عنها- مليحة ملاحة"، تأخذ بمجامع القلوب لكل من رآها. فلما مثلت بين يدي المصطفى ﷺ، قالت له بانكسار الأسير ورجاء المحتاج: إني كاتبت فلاناً على نفسي، وأنا أريد أن تضمني وتعيني. فما كان من الحبيب المختار، الذي يتصرف بنور النبوة وحكمة الوحي، إلا أن قابل رجاءها بما هو أعظم، فقال لها بلسان الرأفة والرحمة: «ألا أدعوك إلى خير من ذلك؟» فقالت بلهفة المكروب: وما ذاك يا رسول الله؟ قال ﷺ: «أن أتزوجك» ⁽⁴⁾ (سنن أبي داود). فوافقت راضية مستبشرة، وتزوجها النبي ﷺ. وما إن تناهى إلى أسماع الصحابة الأطهار خبر هذا الزواج الميمون، حتى سرت في أرواحهم نفحات الأدب والمحبة الخالصة. فكل من كان بيده أسير من قومها، التفت إليه قائلاً: أنت الآن قريب رسول الله وصهره، فتوكل على الله، أنت حر لوجه الله! فعلوا ذلك إكراماً لنسب النبي ﷺ وتعظيماً لجنابه الشريف. وهنا تعود السيدة عائشة لتكمل حديثها، شاهدة بالحق والإنصاف قائلة: "ما رأيت امرأة كانت أعظم بركة من جويرية على أهلها" ⁽⁵⁾ (مسند أحمد)؛ فقد أعتق الله ببركة زواجها منه مائة أسرة من بني المصطلق. لتعلم يا ولدي، ويا أيها السالك في دروب المحبة، أن هؤلاء الرجال الأشاوس ما كانوا يجاهدون طلباً لسرقة أموال الناس أو استعبادهم، وما امتشقوا الحسام يوماً لإرغام أحد على الدخول في الإسلام كُرهاً وغصباً. بل كانوا أصحاب رسالة، تشرَّبوا معاني الذوق والأدب، وكانوا يعرفون جيداً ما معنى التضحية لأجل النبي، وكيف تُبذل الأرواح والمهج والأموال إكراماً له ولمن انتسب إليه. لقد كان زواج سيدنا النبي ﷺ من السيدة جويرية ينطوي على حكمة ربانية علوية، ترتقي بعيداً جداً عن مستوى الأشباح والشهوات الدنيوية التي قد يظنها قاصرو الفهم. كأنهم في منهجهم الشريف يعملون بسياسة وتوجيه حديثه الشريف: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» ⁽⁶⁾ (صحيح البخاري). فالرجوع برجل واحد إلى حياض الإسلام أفضل من أن تُساق لك مائة ناقة، والفوز بأسرة مسلمة ينشأ فيها طفل يوحد الله ويقول كلمة الإخلاص أفضل وأحب إليهم من أن تأتيهم ديار القوم وأموالهم وكنوزهم قاطبة. فبمجرد أن عقد عليها النبي ﷺ، كانت ببركة هذا الوصل النبوي أكثر النساء يمناً وبركة على قومها وأهلها.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة المحبة وعصمة النبوة في غزوة بني المصطلق: قراءة عقدية في فكر الشيخ جابر بغدادي)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه المقاصد النبوية في غزوة بني المصطلق: استنباطات وأحكام من رحم السيرة)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات المحبة وعلاج حظوظ النفس: قراءة صوفية في مدرسة بني المصطلق)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (علاج نبوي للتخلص من الغيرة المذمومة)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (علاج القلوب من داء الغيرة المذمومة وحظوظ النفس)الأسئلة
