Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
تساؤلات القلوب الحائرة وعقبات السائرينسؤال من مريد حائر يبحث عن التحرر من رق الأشياءالسؤال رقم 1

السؤال

أعاني يا سيدي من قسوة في قلبي وغفلة تجعلني أسيراً لشهواتي وعاداتي. يأتي علي رمضان تلو الآخر، وأجدني أمتنع عن الطعام والشراب، لكن سرعان ما أعود لضعفي وخضوعي لحطام الدنيا ومغرياتها. أسمع أن الصيام يغير النفوس ويحررها، لكني لا أرى هذا التغيير في واقعي، وأتعجب حين يقال إن الصيام ليس له قدر معلوم من الحسنات كباقي العبادات. فكيف يكون هذا الامتناع الظاهري عن المباح طريقاً للتحرر من الحرام؟ وكيف أفهم السر في أن الله أخفى أجر الصيام ولم يحدده بعدد؟

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن رمضان ليس شهر جوع ومسغبة ظاهرة، إنما هو في حقيقته الباطنة شهر للرجوع إلى الله جل جلاله. وحري بنا أن نتعلم كيف نعود إلى ربنا في هذه الأيام المباركات؛ لأن الصيام في جوهره هو "حرية من المباح"، فإذا كنت تمتثل لأمر الله وتترك طعامك وشرابك الحلال تلبية لنداء الحق، فكيف تعجز وتقف حائراً ولا تعرف كيف تتحرر من الحرام؟ إن الصيام يا بني هو تعويد وتدريب مستمر للنفس البشرية على مقام المراقبة، هذا المقام الجليل الذي يعيد للضمير الإنساني حياته ونبضه بعد أن مات في زحام الغفلات. وتأمل معي في واقع المعاملات بين الناس، حين تسول للمرء نفسه الغش في الموازين، ويهمس له شيطانه الأمار بالسوء قائلاً: "هل يراك من أحد؟ غش كما يحلو لك ولا تبالي"، هاهنا ينتفض الضمير الحي في قلب المؤمن المنيب ليصدح بالحق: "لا، إننا صائمون". وهذا المعنى الدقيق هو مصداق ما أخبرنا به الحبيب المصطفى في الحديث القدسي الجليل الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (كتاب الصوم، باب فضل الصوم، حديث رقم 1894)، حيث يقول الحق تبارك وتعالى: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به». والسر في ذلك يا ولدي أن الصيام عبادة جوفية سرية، تخلو من شوائب الرياء وحظوظ النفس التي قد تتخلل سائر الطاعات. والمراقبة التي يورثها الصوم هي أن تعود للضمير حيويته، فتقف ثابتاً بيقينك وتقول: "أنا صائم، إذاً أنا حر". إن الصوم مدرسة روحية تعلمك التحرر من رق الأشياء، وتربيك لتكون عبداً خالصاً لله وحده؛ لست عبداً لشهوة، ولا عبداً لمال، ولا عبداً لدرهم. فاعلم يقيناً أنك لا تكون عبداً لله حقاً إلا عندما تتحرر وتكون حراً مما سواه، كما يشير إلى ذلك سادتنا العارفون، ومنهم الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى سنة 505 هـ، حجة الإسلام ومجدد علوم الدين وركن المذهب الشافعي) في بيانه لأسرار الصوم الباطنة. أما تعجبك من إخفاء ثواب الصيام وعدم تحديده بأرقام، فمرده إلى سر العطاء الإلهي المكنون في قوله: «وأنا أجزي به». إن الله تبارك وتعالى لم يضع حسنات محددة معدودة على الصيام كباقي الأعمال، فأنت تصوم ولا تدري كم يبلغ ثواب يومك؛ لقد رفع الحق سبحانه علم هذا الثواب حتى عن الملائكة الكرام الموكلين بكتابة الأعمال، وأمرهم أمراً جليلاً: "اكتبوا أنه صام، وأنا وحدي من يتولى جزاءه". فيا لروعة هذا العطاء! تخيل يا ولدي حين يكون الحق جل جلاله هو الذي سيوفي لك المكيال، ويملأ لك الميزان، ويعاملك بالإحسان وقتما أحسنت إليه بالصيام، فراقبت وجوده واستشعرت نظره.. فإنه حتماً سيحسن إليك على قدر جوده المطلق؛ فلن يتجلى لك بمقدار عملك الضعيف القاصر، بل سيتجلى عليك على قدر عظمته، وعلى قدر كرمه، وعلى قدر عطيته الواسعة التي لا تحيط بها العقول. ولقد سمي الصوم في شرعنا بالصبر؛ لأنه حبس للنفس عن مألوفاتها، وقد وعد الله سبحانه أهل الصبر بأنهم يوفون أجورهم بغير ميزان، كما تقرر في سورة الزمر: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فالمكاييل والموازين عند عبادة الصيام تتلاشى وتفقد أرقامها، وتأمل البلاغة في قوله تعالى؛ إذ لم يقل "يعطى" بل قال "يوفى"، والوفاء هنا إشارة دقيقة علوية إلى أن الله سيعطيك ما تستحق، ويفيض عليك فوق ما تستحق بغير حساب. ولذا، حين تصوم رمضان إيماناً واحتساباً، كما جاء في البشرى النبوية في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري (كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان، حديث رقم 38): «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنب»، فإن الشريعة لم تخبرك حينها بكم حسنة ستفوز، بل ساقت إليك البشارة العظمى: أن ما فات من ذنوبك وزلاتك سيموت ويُمحى تماماً مع بركة الصيام، لتتحرر من ماضيك وتبدأ مع الله صفحة بيضاء نقية.

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.