السؤال
الخجل من كثرة الذنوب وفهم حقيقة العتاب الإلهي
"يا سيدي، ترهقني ذنوبي، وكلما تبت عدت، حتى استحييت من الله وأشعر بثقل شديد يمنعني من الوقوف بين يديه للاعتذار، فأنا لا أستحق كرمه. وأحياناً أقرأ في القرآن آيات العتاب فأرتجف خوفاً.
كيف يعامل الحق سبحانه عباده المذنبين أمثالي؟ وكيف أفهم أن كرم الله أوسع من تقصيري ولا ينتظر مني كل هذا الانكسار المذل؟"
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن هذا الخجل الذي يكسرك ويؤلمك هو من علامات حياة قلبك، ولكن إياك أن تجعله حجاباً يمنعك عن باب مولاك ويوقعك في اليأس؛ فإن الكريم جل جلاله لا يعامل عباده بمقدار استحقاقهم، بل بسعة جوده وكرمه المحض. تأمل يا بني هذا الحديث العظيم الذي يرويه الحبيب المصطفى ﷺ: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب). إن دلالة هذا الحديث لا تقتصر فقط على بيان فضل التوبة في أوقات الإجابة أو في الأسحار فحسب، بل هي إشارة كبرى إلى كمال المحبة والود الإلهي؛ فالكريم سبحانه يبسط يده بالليل لا لينتظر ذل الاعتذار، بل ليكرم من أساء في النهار؛ لأن الكرم الحقيقي إنما ينجلي ويظهر في أبهى صوره عندما يُكافئ الكريم من أساء إليه، ويعطي ما لا يستحق لمن لا يستحق. فالحب في كمال معانيه يا ولدي ألا يحوج المحبوب من أحب إلى مرارة الاعتذار. وإن أردت أن تدرك الفارق الشاسع بين المعاملة مع الخلق والمعاملة مع الخالق، فاعلم أن العبد إذا عمل أجيراً عند عبد مثله، فإنه يعطيه زهرة شبابه ويفني عمره، أما الله جل جلاله فإذا استعمل عبداً في طاعته، أعطاه نوره ومدده الذي لا ينقطع أبداً. وحتى في مقام العتاب والتوجيه الذي ترتجف منه، انظر إلى قوله تعالى مخاطباً حبيبه المصطفى ﷺ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾. تأمل كيف قدم الحق سبحانه ""العفو"" على ""المعاتبة""! وهذا ما يسميه أهل الله ""لطف العتاب وأنس الخطاب"". في شرع الله لا توجد مجاملة، فرسول الله ﷺ لم يقع في نقص، بل اجتهد فأصاب ""الكمال""، ولكن الحق أراد له ""الأكمل""، ولا بد للأكمل أن يهذب الكمال بالأكمل، فجاء العتاب مغلفاً بالعفو والرحمة والمغفرة لئلا تنكسر نفس الحبيب في مقام القرب. فإذا كان هذا لطفه في العتاب مع صفوته، فكيف يكون كرمه في قبول المذنبين المتوسلين المكسورين؟ عُد إلى ربك يا ولدي دون إبطاء، فرمي حمولك على بابه هو عين الأدب، والكريم لا يرد من لاذ بحماه.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (سِرُّ المحبة في إسقاط الكُلفة: حينما لا يُحوجُ المُحبُّ حبيبهُ للاعتذار)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدةُ الكرمِ الإلهيِّ وكمالُ المحبةِ في سِياقِ العفوِ والستر)العقيدة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أدب المحبة ومقام التجاوز: حين يغدو القلبُ سماءً للستر)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (المحب لا يحوج حبيبه للإعتذار)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (مرارة الغل وعجز القلب عن مسامحة المسيئين)الأسئلة
