التزكيةسؤال من سائر يبحث عن حلاوة المناجاة
السؤال
ألم الجسد ومكابدة العطش.. هل يقودني إلى نعيم الروح ودوائر الصمدانية؟
أنا شاب أسير في طريق الله، ولكنني أجد مشقة بالغة في مكابدة الجوع والعطش أثناء الصيام، وأحياناً تضعف همتي أمام هذا الحرمان الجسدي والمنع القاسي. أتساءل في حيرة وضعف: كيف يتحول هذا العناء الجسدي إلى ارتقاء روحي؟ وما السر وراء هذا الحرمان الذي نكابده في دنيانا؟ أفتوني مأجورين، فقد أرهقني التعب وأخشى أن يضيع جهدي سدى.
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد:
فاعلم يا ولدي أن المشقة في طريق الله ليست حرماناً، بل هي معراج تترقى به روحك من كثافة الطين إلى لطافة النور. إن الله جل جلاله لم يشرع الصيام ليعذب أجسادنا، بل ليهذب أرواحنا. وقد تفضل الشيخ جابر بغدادي بفك طلاسم هذه الحيرة حين أشار إلى الكرامة العظمى المعدة لك؛ وهي الدخول على الله من باب خاص لا يزاحمك فيه أحد، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري (المتوفى سنة 256 هـ، أمير المؤمنين في الحديث): «إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم».
يا ولدي، إن "الريان" مشتق من الري التام؛ لأنك عطشت في الدنيا لله، والميزان الرباني الذي استنبطه الشيخ يقرر أن: من جاع هنا لا يجوع هناك، ومن عطش هنا لا يعطش هناك. إن هذا التعب هو التطبيق العملي لقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، فعسر الظمأ في هجير الدنيا، يعقبه يسر الري في ساحات القيامة.
وقد عرف أئمة العلم الصيام بأنه هو "الصبر"، والصبر هو حبس النفس عن محبوباتها، فإذا حبستها لله أطلق الله لك العطاء بلا ميزان ولا عد، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ولتكتمل البشارة، اعلم أن هذا الحرمان يتجسد لك يوم القيامة كائناً نورانياً يشفع لك، كما جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل (المتوفى سنة 241 هـ، إمام أهل السنة والجماعة): «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة».
والسر الأكبر يا بني، كما يوضحه الشيخ، هو أن الصيام يدخلك في "دوائر الصمدانية"؛ واسم الله الصمد يعني: الذي لا جوف له، أي لا يحتاج إلى طعام أو شراب أو شهوة. فحين تصوم، أنت تتدرب على التخلق بهذا الوصف الملائكي المجازي؛ ليرق قلبك، وتنتقي سريرتك، فترتقي في المقامات، حتى تلتقي بنور مولاك. وهذا لا يتم إلا بزهد رباعي الأركان: الزهد في الطعام، والزهد في المنام، والزهد في الكلام، والزهد في الأنام. فاصبر يا ولدي على عطش نهارك، فغداً ترتوي من حوض نبيك شربة لا تظمأ بعدها أبداً.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار الصمدانية وباب الريان: تأملات روحانية مع الدكتور جابر بغدادي في كرامات الصيام)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الصائمين: من أسرار الصمدانية إلى شفاعة الدارين)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (أسرار فقه الصيام ومقامات القبول: قراءة تفصيلية في توجيهات الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار الصمدانية وعلاج حظ النفس الخفي: رحلة التزكية في فقه الصيام)التزكية والتصوف
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (هل تتخيل أن يُنادى اسمك من هذا الباب؟ 🕊️)التوثيق العلمي
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (الخوف من رد الطاعات.. كيف أنجو من حظ النفس الخفي وداء العُجب؟)الأسئلة
