Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة الصائمين: من أسرار الصمدانية إلى شفاعة الدارين

مقال تفصيلي يستلهم من كلمات الدكتور جابر بغدادي معاني العقيدة الصحيحة في الصيام، مستعرضاً الإيمان بباب الريان، وعقيدة الشفاعة، والتخلق بأخلاق "الصمدانية" مع وضع التدابير الاحترازية لفهمها، وبيان عقيدة التوفيق في قبول الأعمال للنجاة من العُجب.

استمع لمقال: عقيدة الصائمين: من أسرار الصمدانية إلى شفاعة الدارين

0:000:00

## تجليات الإيمان بالغيب: عقيدة الجزاء وباب الريان تنهض العقيدة الإسلامية في جوهرها على الركن الركين المتمثل في الإيمان بالغيب، وما أعده الله لعباده المتقين في الدار الآخرة من جزاء يوافق أعمالهم في الدنيا، بل يفيض عليها بفضل من الله ومنة. وفي هذا السياق، يوجهنا الدكتور جابر بغدادي إلى مشهد من مشاهد يوم القيامة، حيث تتجلى كرامات الصيام في الآخرة بالدخول على الله من باب خاص لا يلجه إلا أهل هذه العبادة، وهو "باب الريان". إن الإيمان بوجود هذا الباب هو جزء أصيل من عقيدتنا في تفاصيل يوم الحساب. والريان مشتق من الري، وهو النقيض التام للعطش الذي كابده المؤمن في نهار الدنيا الحار ابتغاء مرضاة الله. يرسخ الشيخ هنا عقيدة "الجزاء من جنس العمل"، مبيناً عدل الله المطلق وفضله الواسع؛ فمن جاع في الدنيا لله، وعطش في الدنيا لله، أمنه الله من جوع وعطش يوم الفزع الأكبر. وهذا اليقين يستند إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾⁽¹⁾، ليكون العسر الدنيوي المؤقت طريقاً لليسر الأخروي الأبدي. وهنا يجب أن نضع تدبيراً احترازياً دقيقاً في الفهم العقدي: إن دخول الصائمين من هذا الباب ليس استحقاقاً ذاتياً يوجب على الله شيئاً -حاشا لله-، بل هو محض فضل من الله عز وجل ووعد حق تكفل به سبحانه تفضلاً وكرماً. فالعبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وإنما يعتمد في نجاته على رحمة الله التي وسعت كل شيء، والعمل الصالح كالصيام هو سبب شُرع لنا لنتعرض به لهذه الرحمة.

## عقيدة الشفاعة: حين تتجسد الأعمال بأمر الله ينتقل بنا التوجيه إلى عقيدة أخرى من صميم معتقد أهل السنة والجماعة، ألا وهي عقيدة "الشفاعة". لقد أشار الدكتور جابر بغدادي بوضوح إلى أن الصيام والقيام يشفعان للعبد يوم القيامة. وهذه العقيدة ترد رداً قاطعاً على منكري الشفاعة؛ فالله سبحانه وتعالى، بفضله، يُنطق الأعمال الصالحة ويجسدها لتكون شفيعاً لصاحبها. الصيام يأتي يوم القيامة محاججاً عن العبد قائلاً: يا رب، منعته الطعام والشهوة بالنهار فشفعني فيه. والقيام يأتي قائلاً: منعته النوم بالليل فشفعني فيه. وهذا المعنى مروي في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام أحمد (ت: ٢٤١ هـ) (إمام أهل السنة)⁽²⁾. إن إيماننا بأن الصيام والقيام يشفعان يجب أن يكون محفوفاً بالاعتقاد الجازم بأن الشفاعة كلها لله، كما قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾⁽³⁾، فلا يشفع أحد أو عمل إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. وبذلك يتوازن قلب المؤمن بين الأخذ بالأسباب (الصيام والقيام) وبين التعلق برب الأسباب (الله الشفيع الحق الذي يأذن بالشفاعة).

## توحيد الأسماء والصفات: الفهم المنضبط لسر "الصمدانية" من أعمق التوجيهات العقدية في هذا المحتوى، هو الإشارة إلى ارتقاء الصائم في دوائر "الصمدانية". والصمد هو اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه الذي تفزع إليه الخلائق في حوائجها، والذي لا جوف له، أي لا يحتاج إلى طعام أو شراب أو شهوة، بل الكل محتاج إليه وهو مستغنٍ عن الكل. يقول الشيخ إن الصيام يعلم الإنسان أن "يتصف بوصف الصمدانية"، فيرق، وينتقي، ويرتقي، ويلتقي، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾⁽⁴⁾. فالتقوى هنا تثمر الانتقاء والارتقاء والشهود الروحي. وتقتضي هذه الحالة الزهد في الكلام والأنام والمنام والطعام، استمداداً من بركة صيام النهار وقيام الليل. **تدبير احترازي عقدي صارم:** لكي لا يزل الفهم أو يشطح الخيال بالقارئ، يجب التوضيح القاطع بأن قول الشيخ "يتصف بوصف الصمدانية" لا يُراد به أبداً حلول صفات الخالق في المخلوق، ولا اتحاد الناسوت باللاهوت (وهي عقائد باطلة فاسدة يُنزه عنها أهل السنة). بل المراد هنا هو "التخلق بأخلاق الربوبية في حدود البشرية"، بمعنى أن العبد يجاهد نفسه ليتشبه في أخلاقه بالاستغناء عن الدنيا وملاذها، تقرباً إلى الله. فـ "الصمدانية" في حق الله هي صفة ذاتية أزلية أبدية مطلقة، بينما في حق المخلوق الصائم هي حالة عارضة، مكتسبة، ومجاهدة نفسية للانقطاع عن الشهوات ليكون قلبه معلقاً بالله وحده. العبد يظل عبداً فقيراً محتاجاً، والرب يظل رباً غنياً صمداً.

## عقيدة التوفيق وإسناد الفضل لله: بين الطاعة وخطر العُجب في ختام التوجيهات، يضعنا الدكتور جابر بغدادي أمام ميزان عقدي دقيق يتعلق بقبول الأعمال. فالكثيرون يتقنون شروط صحة الصيام الفقهية، لكنهم يغفلون عن شروط القبول القلبية العقدية. وأهم هذه الشروط "التقوى" المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾⁽⁵⁾، و"الإنابة" الدائمة لله بالافتقار إليه. ويلفت الشيخ النظر إلى قاعدة ذهبية في تربية النفس عقدياً: "أنت عند طاعة الله أرجى لطلب العفو من طلب العفو عند المعصية". لماذا؟ لأن حظ النفس في المعصية جلي واضح (تكسره التوبة والانكسار)، بينما حظ النفس في الطاعة خفي (كالعجب، والغرور، ورؤية العمل)، وما خفي أعظم خطراً. **التدبير الاحترازي ونفي العقيدة الجبرية:** إن التحذير من رؤية العمل وعدم نسبة الفضل فيه إلى النفس، لا يعني أبداً الانزلاق نحو "العقيدة الجبرية" التي تسلب الإنسان إرادته وعمله، بل هو توجيه لعقيدة أهل السنة والجماعة التي تقرر أن العبد فاعل لعمله حقيقة، ولكن هذا العمل ما كان ليتم لولا "توفيق الله" وإعانته ومشيئته. فالعبد يطلب القبول في الصدقة وإسعاف المساكين وقيام الليل والمناجاة، وهو يوقن أن الطاعة منة من الله عليه، وأن القبول محض كرم. وقد لخص الشيخ هذا المعنى المستمد من الحديث القدسي الذي رواه الديلمي (ت: ٥٠٩ هـ) (من حفاظ الحديث)⁽⁶⁾ في بيان ممن تُقبل الصلاة: «إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصرا على معصيتي، وقطع نهاره في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة...». فهذا التواضع لله وعدم الاستطالة على الخلق هو ثمرة العقيدة الصحيحة التي ترى الفضل كله لله، فتكسر شوكة الكبر، وتجعل المؤمن في حالة افتقار دائم وانطراح على عتبات القبول والتضرع.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي