السؤال
حيرة السالك بين العبادة وخدمة الخلق: كيف أوازن بين الخلوة والمواساة؟
"أقع في حيرة شديدة كلما أقبلت مواسم الطاعات؛ فمن جهة أريد أن أنقطع للعبادة، وأغلق بابي لأتلو القرآن وأقيم الليل، ومن جهة أخرى أجد حولي الكثير من المحتاجين، وأهلي الذين يحتاجون خدمتي، والناس الذين يطلبون العون.
أحياناً أشعر أن انشغالي بالناس يسرق مني لذة الخلوة وعبادتي، فكيف أحقق التوازن؟ وكيف أجعل من تعاملي مع الناس سبباً للرقي الروحي بدلاً من التشتت؟"
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن هذا التساؤل يعكس صدقك وحرصك على بلوغ الكمال في طريق السير إلى الله، ولكن دواء هذه الحيرة يكمن في تأمل الفقه المحمدي الدقيق في التعامل مع اسم الله "الجواد". إن الشيطان قد يلبس على السالك المبتدئ، فيوهمه أن الانقطاع للعبادة الظاهرة يقتضي هجران الخلق، وأن القرب من الله يتطلب قسوة القلب تجاه حاجات الناس، وهذا فهم قاصر. يعالج الشيخ جابر بغدادي هذه العقبة بالنظر إلى حال القدوة العظمى ﷺ؛ فقد ثبت في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري (المتوفى سنة 256 هـ، أمير المؤمنين في الحديث وإمام الحفاظ): «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ». يتساءل الشيخ هنا ليلفت انتباهنا: ما هو السر الذي جعل سيدنا النبي ﷺ يضاعف جوده في رمضان، مع أنه بطبيعته وسجيته جواد مجبول على الكرم؟ السر يا ولدي يكمن في التفاعل الحي مع كلام الله؛ فعندما كان يأتيه جبريل فيدارسه القرآن، كان يتحول ﷺ إلى "بحر عطاء"، يجود على الجود شكراً لله، لأنه اكتفى بنعمة القرآن، وكفى بها نعمة. ومن هنا يؤسس لنا الشيخ قاعدة سلوكية ذهبية تمثل روح التصوف السني المعتدل، وهي ثنائية "الورد والود". فديننا لا يعرف الرهبانية الجافة، بل يقول لك: "وما دمت بين الورد والود قائماً، فحبلك موصول ودينك في رشد".
الورد يا ولدي هو حق الله عليك من صلاة وصيام وقراءة للقرآن (خلوتك)، والود هو حق الخلق عليك من عطاء ومواساة وجبر للخواطر وإحسان (جلوتك). إن الكمال السلوكي هو أن تستمد من تلاوتك للقرآن طاقة تفيض بها رحمة على الناس. وهذا هو التطبيق العملي لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾؛ فالصلاة هي الورد، والنحر وإطعام الطعام هو الود. حينما يفتح الله أبواب الجنان ويقفل أبواب النيران، كان النبي ﷺ يقابل هذا الفتح السماوي بفتح من المحمديات على أهل الأرض، فكان "أجود الناس وأعبد الناس". فلا تفصل بين الأمرين يا ولدي؛ بل اجعل حبك لله يثمر وفاءً لخلقه، ومتى ما حولت هذا الحب إلى عطاء، تحقق فيك معنى الاكتفاء، وصارت خدمتك للناس هي عين القرب من رب الناس.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (تجليات اسم الله الجواد في رمضان: أسرار الورد والود في المحراب النبوي)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الفضل وتجليات اسم الله الجواد: قراءة عقدية في أسرار العطاء الرباني)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (الفقه النبوي لعطايا رمضان: أحكام الورد والود وأسرار الجود في الشريعة)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار التزكية في تجليات الجواد: مقامات الورد والود في السلوك النبوي)التزكية والتصوف
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (توثيق التفريغ النصي لدرس تجليات اسم الله الجواد وفقه الورد والود)التوثيق العلمي
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (قسوة القلب واليأس من التوبة: كيف يقبلني الله وأنا أعجز عن الاستغفار؟)الأسئلة
