السؤال
حيرة الغارق في ضيق الوقت وثقل الهموم: كيف أجد الأنس بالله في زمن التشتت؟
أشعر يا سيدي أنني غارق في دوامة الزمن، الهموم تلاحقني، والمشاكل لا تنتهي، حتى عبادتي أصبحت ثقيلة وكأنني أؤديها تحت وطأة الضجر. أسمع عن "الأنس بالله" وأنه يغير إدراك الإنسان للوقت، ولكن كيف لي أن أصل إلى هذا المقام وأنا لا أجد وقتاً حتى لألتقط أنفاسي؟ وكيف أستشعر الفرج في واقعٍ يضيق بكل سبل الأمل؟
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد:
فاعلم يا ولدي أن سر ضيقك وتشتتك يكمن في اعتمادك على "مواقيت المجاز" بدلاً من "مواقيت الحقيقة". إن فتية الكهف الذين لبثوا في كهفهم ثلاثمئة وتسع سنين، حين خرجوا من رقدتهم قالوا ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وذلك لأنهم حين أووا إلى الله بصدق الافتقار، آواهم الله بجميل اللطف، فإذا حصل الأنس سجد الزمن للإنسان، وتوقف وقتُه عن إحراقِ عمره في القلق.
إن مرض عصرك هذا هو استثقال الزمن وكثرة الضجر، وعلاجه يا ولدي ليس في الهروب، بل في "المأوى". يقول الله تعالى: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. فالمأوى ليس مجرد مكان، بل هو حال قلبي تنكسر فيه بين يدي الله، فتخرج من معيار "الكم والكيف" الدنيوي إلى سعة "اللطف الإلهي". وحين تلازم الصلوات والأذكار، فإنك تقتبس من نور النبي المختار في حديثه الشريف: «المرء مع من أحب» (أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله)، فإذا أحببت الصالحين وأويت إلى مجالسهم التي أمر الله بها في قوله ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، فإن روحك ستستشعر الفرج الذي ينسيك ألمك. لقد كان كبار السلف كالإمام الشافعي (المتوفى سنة 204 هـ، الإمام المجدد وركن المذهب الشافعي) والإمام البخاري (المتوفى سنة 256 هـ، أمير المؤمنين في الحديث) وسيدنا عثمان بن عفان (المتوفى سنة 35 هـ، ذو النورين وخليفة رسول الله) يختمون القرآن في ليلة، ليس لأنهم امتلكوا قوى خارقة، بل لأنهم اجتبوا إلى "الأنس بالله".
إن هذا الأنس يا ولدي هو الذي جعل حتى الكلب الذي رافق أهل الكهف يُحسب معهم؛ فإذا كان هذا حال الكلب لصحبة الصالحين، فكيف بمن أخلص القلب لله! فعليك بالذكر والصحبة، واعلم أن "القياس الوعظي" الذي نستخدمه في فهم هذه المقامات هو لفتح أبواب الأمل لقلبك المنكسر، وليس لتعجيزك، فالله كريم لا يرد من وفد إلى منبع جوده.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (كيف نصل إلى الأنس بالله: أسرار من سورة الكهف وطي الزمان لأهل العرفان)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الأنس بالله وتوحيد الأفعال: قراءة عقدية في طي الزمان لفتية الكهف وكرامات الأولياء عند الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات الأنس بالله وعلاج أمراض القلوب: إشراقات سلوكية من سورة الكهف في مدرسة الدكتور جابر بغدادي)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (تفريغ وتوثيق أكاديمي لمقطع كيف نصل إلى الأنس بالله للشيخ جابر بغدادي)التوثيق العلمي
