Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
التزكيةسؤال من أحد المحبين

السؤال

انكسار القلب بتعيير الناس وأثقال الماضي: هل يحاسبني الله بجريرة غيري؟

"تبت إلى الله وسلكت طريق الهداية، وهاجرت بقلبي إلى رحابه الطاهرة، لكن بعض الناس من حولي لا يكفون عن تذكيري بماضي عائلتي المظلم، ويعيرونني بذنوب لم تقترفها يداي. كلما تقدمت خطوة في طريق النور، رموني بكلمات قاسية تكسر خاطري، وربما فعلوا ذلك تحت غطاء الغيرة على الدين. لقد ضاق صدري، وانكسر قلبي، وشعرت بالغربة والوحشة. فهل يحاسبني الله بجريرة غيري؟ وأين أجد الملاذ الآمن الذي يجبر كسري ويرد عني هذا الأذى؟"

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن طريق الهداية محفوف بالابتلاءات، وأن من أشد العقبات التي تعترض السائرين إلى الله هي قسوة ألسنة الخلق ومحاكمتهم للنيات والماضي. وما تشكو منه اليوم، قد تجرعت مرارته سيدة جليلة من قبل، هي السيدة دُرَّة بنت أبي لهب رضي الله عنها، وفي قصتها التي بينها شيخنا ومربينا سلوة لقلبك، ودواء لجرحك، ومنهاج رباني في جبر الخواطر. لقد كانت السيدة درة زوجة لابن عمها، فلما قذف الله نور الإيمان في قلبها، تركت كل شيء وراء ظهرها وهاجرت إلى المدينة المنورة مسلمة لله رب العالمين. وما إن حطت رحالها بين يدي الحبيب المصطفى ، حتى تجلت أسمى معاني الرحمة المحمدية؛ فلم يعاملها النبي بما فعله أبوها "أبو لهب"، ذلك الرجل الذي تجرأ على أذية النبي، وبلغ به الكيد أن أمر أبناءه بتطليق ابنتي رسول الله ليحزن قلبه الشريف. ولكن النبي الأكرم قابل إساءة أبيها بفيض من الجود والكرم، فاحتضن السيدة درة، بل وزوجها من خيرة أصحابه، سيدنا دحية بن خليفة الكلبي (المتوفى سنة 45 هـ، الصحابي الجليل وأمير من أمراء المسلمين، والذي كان أمين الوحي جبريل عليه السلام يتنزل في صورته الكريمة). تأمل يا ولدي هذا السمو السلوكي؛ لقد أثبت الحبيب أن الإسلام يطوي صحائف الجاهلية، وأن الذمة مستقلة لا تتأثر بخطايا الآخرين، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. غير أن بعض الناس في المدينة، ومنهم جماعة من بني زريق، غلبتهم بشريتهم وغيرتهم على رسول الله ، فلم يطيقوا رؤية ابنة أبي لهب بينهم، فصاروا كلما قابلوها عيروها قائلين: "أنتِ بنت أبو لهب! أنتِ جاية ليه يا بنت أبو لهب؟". وهذا هو حال بعض الخلق في زماننا؛ قد يلبسون أذيتهم ثوب الغيرة على الدين، ولا يعلمون أنهم بذلك يكسرون قلباً أوى إلى كنف الله. فهرعت السيدة درة إلى الملاذ الآمن، إلى المربي الأعظم ، تبكي بحرقة وتقول: "يا رسول الله، كلما ذهبت إلى مكان عيرتني النساء بقولها: يا بنت أبي لهب!". وهنا انتفضت الرحمة المهداة غضباً لحرمة المؤمن، وصعد المنبر ليعلن قاعدة ربانية تحمي الأعراض وتجبر القلوب، فقال: «إلي نسب ولكم أنساب». فوثب سيدنا عمر بن الخطاب (المتوفى سنة 23 هـ، الخليفة الراشد الثاني والفاروق المُلهم) بغيرته المعهودة صارخاً: "أغضب الله من أغضب رسول الله". فحسم النبي الموقف، وأعلنها صريحة مدوية ترفع قدرها وتزكي نفسها أمام الملأ: «هذه ابنة عمي، فلا تسمعوها إلا خيراً» (أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، وابن عبد البر في الاستيعاب). يا ولدي، انظر كيف نسبها إليه! لم يقل هي ابنة أبي لهب، بل جعل نسبتها إليه تشريفاً وحماية لها. وكما يقول الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، قطب العارفين وحجة الصوفية) في إشاراته: "لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله". فكيف إذا كان الذنب ليس ذنبك أصلاً! اطمئن يا ولدي، واجعل من حضرة المصطفى ملجأً لك؛ فمن أوى إلى جنابه جبر الله كسره. لا تلتفت لتعيير الخلق، فالله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أنسابكم، بل ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. وإن ضاقت بك السبل من ألسنة الناس، فاستحضر قول حبيبك: «فلا تسمعوها إلا خيراً»، واعلم أن صدق توجُّهك إلى الله سيخرس كل لسان، وأن مقامك عند الله لا يُقاس بماضي من حولك، بل بصدق لجوئك إليه ومحبتك لرسوله الكريم.

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.