Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
المعاملاتسؤال من مُحبٌّ حريصٌ على بَقاءِ الوِدادِ

السؤال

خَوفُ جَرْحِ المَشاعِرِ في المُعاتَبَةِ: كَيفَ أُقَوِّمُ مَنْ أُحِبُّ بِأَدَبِ 'لُطْفِ العِتابِ'؟

أقعُ كثيراً في حَيرةٍ ومَشقَّةٍ نَفسيَّةٍ حينَ يُخطئُ في حقِّي شخصٌ غالي المَكانةِ عندي (كزوجتي أو ولدي أو صديقِ عُمري)؛ فأنا بَينَ نارَيْنِ: إنْ سكتُّ وتَجاهلتُ، تراكمَ الحُزنُ في صَدري وفسدتِ المَودَّةُ، وإنْ عاتبتُهُ وصارحتُهُ بخطئِهِ، خَشيتُ أنْ أكسرَ قَلبَهُ أو أُشعرهُ بالمَهانَةِ، فَتَأخذُهُ العِزَّةُ بالإثمِ.
فكيفَ أوازنُ بَينَ صِدقِ النَّصيحَةِ ومُعاتبَةِ المَحبوبِ، وكيفَ أُقوِّمُ مَنْ أُحبُّ دُونَ أنْ أُحوجَهُ لِلانكسارِ؟

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أنَّ حَيرتكَ في كَيفيَّةِ عِتابِ مَنْ تُحبُّ هي دَليلٌ على نُبلِ مَطوِيَّتكَ، ولكنَّ المَخرَجَ منْ هذهِ الحَيرةِ يَستوجبُ منكَ أنْ تَتعلَّمَ 'هَندسةَ العِتابِ الإلهيِّ' التي لَخَّصها الدكتور جابر بغدادي في قاعدتِهِ الذَّهبيَّةِ: 'الكريمُ لا يُحوجُ مَنْ أحبَّهُ إلى الاعتذارِ'.
ولِكَيْ تَتْقنَ هذا الأدبَ يا ولدي، أَدِرْ بَصركَ في أسمى نَموذجٍ لِلمُعاتَبَةِ في الوُجودِ؛ وهو خِتابُ الحقِّ تباركَ وتعالى لِحَبيبِهِ ومُصطفاهُ في سُورةِ التَّوبَةِ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾.
وقدْ وَقفَ الإمامُ العارفُ أبو القاسمِ القُشيريِّ (المتوفى سنة ٤٦٥ هـ، أستاذُ الطَّريقَةِ ومُقنِّنُها) أمامَ هذا النَّظمِ البَديعِ، فبيَّنَ أنَّ اللهَ تعالى قدْ قَدَّمَ 'صَكَّ البَراءَةِ والعَفوِ' ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾، على 'أداةِ الاستفهامِ والمُراجعَةِ' ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾، وهو ما يُسمَّى في طَريقِنا: 'لُطْفَ العِتابِ، وأُنْسَ الخِطابِ'.
ويَشرحُ الشيخُ جابر سِرَّ هذا التَّقديمِ البَلاغيِّ قائلاً: إنَّ النَّبيَّ حينَ أذنَ للمُنافقينَ بالتَّخلُّفِ عنْ غزوةِ تَبوكَ، تَصرَّفَ بِمُقتضى 'مَقامِ الكمالِ' (وهو كَمالُ الرَّحمَةِ البَشريَّةِ المَجبولةِ على التَّيسيرِ)، فأرادَ الحقُّ سُبحانَهُ أنْ يَترقَّى بهِ إلى 'مَقامِ الأكملِ' (وهو كَمالُ الحَزمِ الإلهيِّ في مَواطنِ الجِهادِ).
ولكنْ انظرْ إلى أدبِ الودودِ؛ فلو أنَّهُ قالَ لَهُ مُباشرةً: (لِمَ أذنتَ لَهم؟)، لَتَصدَّعَ القَلبُ الشَّريفُ منْ هَيبةِ السُّؤالِ وجَلالِ المُحاسبَةِ.
فَسَبقَ اللُّطفُ، وأعطاهُ الأمانَ أوَّلاً؛ لِيُعلِّمَنا أنَّ المُرادَ منَ العِتابِ هو 'التَّهذيبُ لا التَّعذيبُ'.
وهذا المَعنى يا ولدي هو عَينُ ما يُقرِّرهُ الشيخُ في شَرحِهِ لِحديثِ الإمامِ مسلمٍ (رقم ٢٧٥٩): «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ...»؛ فالربُّ الذي يَبسطُ رِدَاءَ اللَّيلِ لِيَسترَ مُسيءَ النَّهارِ قَبلَ أنْ يُصلحَ خَطأَهُ، هو الذي يُقدِّمُ العَفوَ قَبلَ المَلامِ.
فَتطبيقُكَ العَمَليُّ يا ولدي معَ زوجتِكَ أو ولدِكَ: ألا تَبْدأَ عِتابَكَ بِسَوطِ الاتِّهامِ (لِمَ فَعلتَ كَذا؟)، بلْ صَدِّرْ كَلامَكَ بـ 'رِدَاءِ الأمانِ ومُقدِّمَةِ الوِدادِ'، فَتَقولَ لَهُ: (أنتَ غالي المَكانةِ عندي، ومَحبَّتي لَكَ أكبرُ منْ أيِّ خَطأٍ، وأنا عَفوتُ عنْ حَقِّي...ولكنْ تَعالَ نَتَحدَّثُ فيما حَدثَ لِكَيْ لا يَتكرَّرَ).
حينَها يَنشرحُ صَدرُ المَحبوبِ، ويَقبلُ التَّقويمَ دُونَ أنْ تَكسرَ كِبرياءَهُ، وتَكونُ قدْ تَحقَّقتَ بِأخلاقِ الكِرامِ الذينَ يَسترونَ في العِتابِ، ولا يُحوجونَ حَبيبَهم لِذُلِّ الاعتذارِ.

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.