Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
التزكيةسؤال من عبدٌ أثقلتهُ الذُّنوبُ ويَرجو الوِدادَ

السؤال

جَفافُ العِبادةِ واليَأْسُ بَعدَ الذَّنْبِ: كَيفَ أَتَذَوَّقُ سَعةَ الكَرَمِ الإلهيِّ؟

أُصلِّي وأصومُ، ولكنِّي أشعرُ بجَفافٍ رُوحيٍّ شديدٍ، وكأنَّ دِيني تحوَّلَ إلى حَركاتٍ آليَّةٍ خاليَةٍ منَ الرُّوحِ.
ومُشكلتي الكُبرى أنَّني ضعيفٌ أمامَ بَعضِ الذُّنوبِ، وكلَّما أذنبتُ بالليلِ أو بالنهارِ، تملَّكني خَجلٌ مَشوبٌ باليَأْسِ، وأشعرُ أنَّ اللهَ قدْ طَردني منْ رَحمتهِ لِكَثرةِ تَقصيري، فَتثقلُ عليَّ التَّوبَةُ وكأنِّي أستحي منْ تَكرارِ الاعتذارِ.
فكيفَ أفهمُ حقيقةَ التَّديُّنِ، وكيفَ أُعالجُ هذا اليَأْسَ في ضَوءِ كَرمِ اللهِ؟

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أنَّ ما تُعانيهِ منْ قَسوةِ الجَفافِ وثِقَلِ اليَأْسِ، هو نَتيجةُ انحصارِ فَهْمِكَ لِلدِّينِ في دَائرةِ 'الأشكالِ والمَباني' دُونَ الغَوصِ في 'الأرواحِ والمَعاني'.
وإنَّ أوَّلَ خُطواتِ عِلاجِكَ تَبدأُ منْ تَصحيحِ الدكتور جابر بغدادي لِهذا المَفهومِ حينَ قالَ: 'الدِّينُ ليسَ كُلُّهُ صَلَواتٍ'.
فالصَّلاةُ رُكنٌ مَتینٌ لا يُترَكُ، ولكنَّ رُوحَها وغايَتَها أنْ تُثمرَ في قَلبِكَ شُهوداً لِصفاتِ جَمالِ الخالقِ.
ولِكَيْ نَقتلعَ جُذورَ اليَأْسِ منْ صَدْركَ يا ولدي، أَدِرْ بَصيرَتَكَ في رِحابِ الحديثِ الذي أخرجَهُ الإمامُ مسلمٌ في صحيحِهِ (رقم ٢٧٥٩) عنْ أبي مُوسى الأشعريِّ رضيَ اللهُ عنهُ، أنَّ رسولَ اللهِ قالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».
وقدْ سألَ الشيخُ جابر تساؤلاً يَفتحُ مَغاليقَ القُلوبِ: 'ماذا يعني ذلك؟ ليس موضوع ساعة سحر وساعة إجابة فحسب'.
ومَقصودهُ —حَفِظَهُ اللهُ— أنَّ هذا الحديثَ ليسَ مُجرَّدَ إخبارٍ عنْ مَواقيتِ زَمنيَّةٍ تُقبَلُ فيها الدَّعواتُ، بلْ هو 'إعلانٌ إلهيٌّ' عنْ صِفةِ الكَرمِ الذَّاتيِّ؛ مَفادُهُ أنَّ الكريمَ سُبحانَهُ يَتودَّدُ للمُسيءِ، ولا يُحوجُ مَنْ أحبَّهُ إلى مَذلَّةِ الاعتذارِ! وتأمَّلْ معي المُقارنةَ البليغةَ التي ساقَها الشيخُ لِيَكسرَ حِجابَ يَأسِكَ: فبمقتضى المَنطقِ البَشريِّ، وقواعدِ الأُجْرَةِ بينَ المَخلوقينَ، كانَ الظَّاهرُ أنْ يَبسطَ السَّيِّدُ يَدَهُ باللَّيلِ لِيُكافئَ 'مُحسنَ النَّهارِ'؛ لأنَّ البَشرَ لا يُعطونَ إلَّا بِمُقابلٍ.
أمَّا في مِيزانِ الودودِ جلَّ جلالُهُ، فإنَّ كَرمَهُ يَتجلَّى حينَ يُكافِئُ مَنْ أساءَ، ويَنجلي وُدُّهُ حينَ يُعطي العَطاءَ الذي لا يُستحَقُّ لِمَنْ لا يَستحقُّ! وهذا يُوافقُ كَلامَ الإمامِ العارفِ أبي القاسمِ القُشيريِّ (المتوفى سنة ٤٦٥ هـ، أستاذِ الطَّريقَةِ وصاحبِ الرِّسالَةِ) حينَ بيَّنَ أنَّ اللهَ يُعاملُ العاصينَ بـ 'سَبْقِ الفَضلِ على الفِعلِ'.
يا ولدي، إنَّ الشَّيطانَ يُريدُ أنْ يَسجنكَ في 'خَجلِ الكِبرِ'، فَتَستحي منَ العَودَةِ لأنَّكَ تُريدُ أنْ تَدخلَ على اللهِ بـ (ثَوبِ الطَّاعَةِ النَّظيفِ).
اخلعْ هذا الكِبرَ يا ولدي، وادخلْ عليهِ منْ 'بابِ الإفلاسِ والانكسارِ'؛ فإنَّ ربَّكَ بَسطَ يَدَهُ لَكَ باللَّيلِ لِيَقولَ لَكَ: (أنا قَبلتُكَ قَبلَ أنْ تَتكلَّمَ، وغَفرتُ لَكَ قَبلَ أنْ تَعتذرَ، فَلا تُحوجْ نَفْسَكَ لِوحشَةِ البُعدِ، وهَلُمَّ إليَّ بِضَعفِكَ أُمِدَّكَ بِنُوري ومَدَدي).

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.