بقلم: الشيخ جابر بغدادي
تجليات اسم "الوهَّاب": مفتاح المستحيلات ومرهم القلوب المائلة بلسان الدكتور جابر بغدادي
تجليات اسم "الوهَّاب": مفتاح المستحيلات ومرهم القلوب المائلة بلسان الدكتور جابر بغدادي
أتدري يا ولدي ما سرُّ اسم الله "الوهَّاب"؟ إنّه الجواد المُطلق، "الذي يتعطّف بما يشاء، لمن يشاء، من حيث شاء، بلا سببٍ يوجبه، ولا غرضٍ يدفعه، ولا عوضٍ يطلبه"⁽¹⁾.
إنَّ اسم الله الوهَّاب يا بني هو مفتاح الفرج الأعظم لكل الأمور التي يراها العقل مستحيلة، وهو ميزان الاعتدال الذي تُقوَّم به القلوب المائلة. لقد أدرك أهل الله هذه الحقيقة الكبرى، فجعلوا الدنيا بأسرها تحت نعالهم، ولم يطلبوها لذاتها الفانية، بل طلبوا بها الله سبحانه وتعالى.
وتأمل يا سيدي في سيرة نبي الله سليمان -عليه السلام- حينما استعمل اسم "الوهاب" في دعائه، إذ نادى ربه مناجياً: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾. لقد كررها وذكرها مرة واحدة، ولكن بيقينٍ لا يتزعزع. ولنا أن نتساءل: لِمَ كان سيدنا سليمان يبتغي هذا المُلك العريض؟ هل أراده ليكون مجرد مَلِكٍ متوجٍ على عروش الدنيا؟ حاشا للأنبياء ذلك، بل أراده ليكون "عبداً للمَلِك" جل جلاله؛ ليطوّع دائرة المُلك الواسعة ويستعين بها كطريق للوصول إلى المَلِكِ الحق⁽²⁾. وفي مسعاه العظيم هذا، لم يجد وسيلة أعظم ولا باباً أوسع من التعلق باسم الله الوهاب.
فماذا كان الجواب الإلهي؟ لقد جاءت الاستجابة مقترنة بـ "فاء السرعة" الإلهية، لأن المواهب الربانية هي تلك الأعطيات الجليلة التي تُمنح من غير ثمن أو مقابل. ومن أجل ذلك، بالغ الحق سبحانه في وصف عطائه وارتباطه باسم الوهاب، فلم يقل مجرد "أعطيناه ما يريد"، بل قال ممتناً: "فوهب له ذلك، وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب". لقد أعطاه المُلك في الدنيا، وزاده ما هو أعظم؛ إذ بشره في الآخرة بالقرب والمكانة (الزلفى) وحسن المرجع.
واعلم يا ولدي أن مواهب الدنيا للعباد العاديين قد تكون في طياتها محض ابتلاء واختبار، ولهذا حذرنا الخالق منها قائلاً: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾. فالدنيا دار ابتلاء، والآخرة دار الحساب والجزاء. أما بالنسبة للأنبياء والمرسلين، فالعطاء لهم هو "عصمة وتفضل واجتباء". وحينما تجلى الله بالعطاء لسيدنا سليمان، كان هذا تفضلاً معصوماً؛ أعطاه أبواب الابتلاء فنجح فيها، بل إن الله -بمحض فضله- هو الذي أورثه هذا النجاح والاجتباء، متوجاً ذلك الوعد: "فوهب له ذلك، وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب". ثم أطلق له العنان وأعطاه سر التصريف المطلق المستمد من اسم الله الوهاب، فقال له في محكم التنزيل: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
إن اسم الله الوهاب يُستعمل حقاً لقضاء المستحيلات يا بني. انظر إلى نبي الله زكريا -عليه السلام-؛ لقد كانت امرأته عاقراً لا تنجب، وفي ميزان العقل البشري، هذا أمر ميؤوس منه. ولكنه حين أراد الولد، لم يقل "أعطني"، بل لاذ باسم الوهاب قائلاً: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾. ولم يطلب الولد ليكون فتنة أو ليُبتلى به، بل أراده ليكون آية واجتباءً، مكملاً دعوته: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾. فماذا كانت النتيجة؟ رزقه الله بسيدنا يحيى، واصفاً إياه بأكمل الصفات: ﴿سَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾. أرأيت؟ حين يوهب الخالق، يعطي النعمة سليمةً ومعصومة.
فإذا عرفت سر اسم "الوهاب" يا ولدي، لزمك أن تعيش في ثلاث دوائر روحانية لا تنفك عنك: أولها أن ترضى بالعطاء كيفما كان، وثانيها أن تشكر النعماء، وثالثها أن تستعمل هذا الاسم بضراعة في الدعاء؛ لتنجز به المستحيل وأنت ساجدٌ في محراب الافتقار⁽³⁾.
نعود لسيدنا سليمان، الذي وهبه الله مملكة شاسعة، صرّفه فيها ليتحكم في الجن والطير والريح وأشياء كثيرة جداً في مملكته. وفي مجلسه المهيب، حين طلب إحضار العرش، انبرى له عفريت من الجن قائلاً: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾، أي في غضون نصف يوم تقريباً، وهذا غاية ما تبلغه قدرة الجن. ثم نهض من حظي بالعلم وقال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾، أي في لمح البصر.
قف هنا يا بني متأملاً: ما هي الكلمة التي يمكن للمرء أن ينطق بها في أجزاء من طرفة عين؟ حاول أن تجد كلمة تتناسب زمنياً مع رمشة العين! إن عضلة اللسان أضعف وأبطأ من أن تُخرج كلمة كاملة قبل أن تسبقها رمشة العين. فبمن استعان سيدنا سليمان في تلك اللحظة؟ إنه لم يستعن بقدرة العفريت، ولا بالذي أوتي علم الكتاب، بل جيء له بالعرش بمددٍ أكبر من هذا وذاك؛ جيء له بـ "ملكة التصريف" حين دعا الله متضرعاً باسمه الوهاب.
لذلك قال القرآن معقباً: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ﴾. فالذي أحضر له العرش حقاً هو الله جل جلاله، لا مَلَكٌ ولا غيره. لقد تعشم في كرم "الوهاب"، فأعطاه الخالق من غير مقياس زمني، كاسراً له كل القواعد؛ قاعدة الوقت، وقاعدة الجغرافيا، وقاعدة التاريخ، وقواعد المُلك والملكوت⁽⁴⁾.
وحين يسوق الله إليك المستحيل مستقراً عندك قبل طرفة العين، تتجلى ثمرة صدقك في العشم، وصدقك في التوجه، وحُسن اللجوء إلى مولاك. إنها قدرات الحق العظيمة؛ فالله لم يُحوج عبداً تعشَّم في "الوهاب" إلى أن يطلب العون من عبدٍ آخر، حتى ولو كان هذا العبد يستطيع خرق الحُجُب، بل أغناه عن الخلق أجمعين وعن ملكاتهم. ولما شهد سيدنا سليمان عِظَم المنَّة، وعرف أنه يتقلب في موهبة خالصة من الله، أحدث سُنَّةً عظيمة؛ إذ سجد بكيانه كله ليرد الفضل إلى صاحب الفضل الأوحد، فقال: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. لم يقل "هذا عرشي"، بل "هذا من فضل ربي".
فماذا تتعلم من هذا يا بني؟ حين تناجي: "يا رب انجح"، "يا رب أعطني ولداً"، فإذا حقق لك المستحيل، فأحْسِن تربية ما وُهبت، واشكر الله فيه. كلما طلبت المستحيل من ربك وحققه لك، بادر بالسجود على قدم الشكر، وعلى جبين الذل، وتأدب مع الاسم الذي تجلى الله لك منه ليعطيك المستحيل. وإياك أن تتكبر على أحد، أو أن تتعالى بفضل الله لتنصّب نفسك "عمدة" ومُتسلّطاً على رقاب الناس. ارجع واسجد؛ فكما أن الخالق لا يقبل العمل المشترك المليء بالرياء، فإنه سبحانه لا يُقبل على القلب المشترك الذي ينازعه فيه سواه⁽⁵⁾. وصدق الوعد: "فوهب له ذلك، وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب".
واعلم يا سيدي، أنه لا توجد بليّة في هذه الدنيا أعظم من تذوق "مُرِّ السَّلْب بعد العطاء"⁽⁶⁾. ولدرء هذا الخطر، استُعمل هذا المعنى في القرآن مقترناً باسم الله الوهاب: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾. ولِمَ نطلب هذه الرحمة؟ هل نحن حقاً نستحقها؟ لقد ظلم الإنسان، وقتل، وسرق، ونهب، وداس على أطراف الخلق؛ الغادي والرائح دون أن يترك لأحد حقاً، فقطع الأرحام، وظلم الأيتام. ومع كل هذا، فإننا لا نزال نستجدي العفو، ونهزُّ شجرة العطف، ونستمطر اللطف، وذلك لا يكون إلا إذا ذكرناه من طريق الهبات.
فتأمل كيف طلبوا الرحمة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾، لم يقولوا "أعطنا رحمة"، ولم يكتفوا بقول "ارحمنا"، بل قالوا بلسان الانكسار المطلق: ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾. الله.. الله على سر هذا الاسم الجليل!
