السؤال
صدمة الابتلاء بعد الاستقامة: هل العيب في مساري وطاعتي؟
"أنا شاب التزمت حديثاً، ومنذ أن بدأت أواظب على الصلاة وأسلك طريق الهداية، توالت عليّ الابتلاءات والمحن، وضاق رزقي، واشتدت علي أمور الدنيا بشكل غير مسبوق.
حتى كدت أضعف وأقول في نفسي: هل العيب في صلاتي أم في اختياري لهذا الطريق؟ أنا أدرك خطورة هذا التفكير، وأخاف جداً من الانتكاس وترك الطاعة، فكيف أعالج قلبي من هذا الشك، وكيف أثبت على الطريق رغم كل هذه الضغوط؟"
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن هذا الشعور الذي يعتريك هو داء خطير يُسمى في علم التزكية بـ "العبادة المشروطة"، وعلاجه لا يكون بكثرة التفكير في أسباب الضيق، بل باليقين التام بأن الله سبحانه وتعالى لا يضيق عليك ليهلكك، بل إنه "يُحرق معدنك لينجلي جوهرك".
فالنفس البشرية كالمعادن التي تختلط بشوائب الدنيا، ولا يصفو هذا المعدن النفيس إلا إذا عُرض على نار الابتلاء والتمحيص.
يا ولدي، داوِ قلبك بفهم مراد الله منك في هذه المحنة؛ فقد أخبرنا الحق جل جلاله أن ادعاء الإيمان لا يكفي، بل لابد من الفتنة والاختبار، فقال: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.
فليست الفتنة هنا شراً محنكاً، بل هي اختبار لصدق توجهك.
والعلاج العملي لحالتك يكمن في تصحيح عقد النية مع الله، وألا تكون ممن حذرنا القرآن منهم حين قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾؛ أي على حافة الشك وشرط التجربة والمنفعة.
واستمع يا ولدي إلى هذا الدواء النبوي الذي ساقه الإمام حبر الأمة عبد الله بن عباس (المتوفى سنة 68 هـ، ترجمان القرآن) فيما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، رقم 4742)، قال: «كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ، فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلاَمًا، وَنَتَجَتْ خَيْلُهُ، قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ، وَإِنْ لَمْ تَلِدْ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ، قَالَ: هَذَا دِينُ سُوءٍ».
وفي روايات أسباب النزول المعتمدة لتكملة هذا المعنى: «أن رجلاً من اليهود أسلم، فكف بصره، ومات ولده، وذهب ماله، فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني بيعتي، فقال النبي: إن الإسلام لا يُقال، فأنزل الله الآية».
فانظر يا ولدي، كيف أن هذا الرجل ظن أن العيب في الدين، فطلب فسخ العقد! إياك أن تفعل مثله وتطلب من الله إقالة من الصلاة والطاعة لمجرد ضيق الرزق.
اعلم أن الوصل بالله ليس سهلاً مناله؛ فقد ناح نبي الله نوح عليه السلام طويلاً، وشُق بالمنشار نبي الله زكريا عليه السلام، وقُتل نبي الله يحيى عليه السلام، وما زادهم ذلك إلا تسليماً.
فاثبت على طاعتك، واعلم أن ما أنت فيه هو محض اصطفاء، وأن الفرج يأتي مع كمال اليقين.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (حقيقة العبادة على حرف.. ظلمات الابتلاء وانجلاء جوهر القلوب)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الرضا بالقدر واليقين المطلق: قراءة في حقيقة العبادة المشروطة)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه النية وصحة العبادات: الأحكام الشرعية في الابتلاء والتحذير من العبادة المشروطة)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (مقامات الرضا وأسرار الابتلاء: دواء القلوب من داء العبادة المشروطة)التزكية والتصوف
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (توثيق تفريغ: آية وحكاية - حقيقة العبادة المشروطة وسنة الابتلاء)التوثيق العلمي
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (ظلمات الفقد والاعتراض: كيف أسترد نور الرضا بعد خسارة قاصمة؟)الأسئلة
