Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
الطريق إلى اللهسؤال من قلب حائر أتعبه التفكير في الغد وعاكسه القدر في تدبيره

السؤال

صراع الإرادات بين مراد العبد ومراد الرب.. كيف نرضى بالقسمة وننال العوض الإلهي؟

يا سيدي ومربي روحي، أشعر بحيرة تمزق قلبي وبنار من القلق تأكل طمأنينتي. أنا أخطط لحياتي بكل جهدي، أسعى لكلية معينة فتأتيني غيرها، أرجو وظيفة محددة فيسوقني القدر لمهنة لا أرغبها، بل حتى في الذرية أتمنى الولد فتُرزقني السماء بالبنت. أزرع بذور آمالي وأسقيها بدموعي، فتنبت لي أرض الواقع حصاداً غير الذي أردت! وأحياناً، أقف أمام مغريات الدنيا، صفقة مالية أو فرصة عمل تدر أموالاً طائلة ولكن فيها شبهة، فأتركها لله وأنا أعتصر ألماً وخوفاً من الفقر، ثم يقتلني التفكير في "بكرة" وتأمين المستقبل.

كيف أتخلص من هذه المنازعة في قلبي؟ وكيف أصل إلى برد الرضا والتسليم حين تتعارض إرادتي مع إرادة الله؟ وما هو العوض الذي يبرد نار حرمان النفس من هواها؟

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن ما تمر به من حيرة وضيق ليس إلا جرس إنذار رباني يوقظ قلبك من غفلة "الأنا" و"التدبير" ليردك إلى ساحة "العبودية" و"التسليم". إن من أشد العقبات التي تعترض طريق السالكين إلى الله هي وهم امتلاك الاختيار، والصدام المستمر بين ما تشتهيه النفس وما يقضيه الرب الجليل. يا ولدي، إن كل واحد منا يطلب من الدنيا حاجة، فتأتيه حاجة غيرها؛ الشاب يكافح ليل نهار ويحلم بكلية الطب فتأتيه كلية التجارة أو الهندسة، والأب يدعو جاهداً أن يُرزق بالولد فتأتيه البنت، فتضيق الصدور، وننسى في غمرة حزننا على ما فاتنا أننا في دار ملك لا نملك فيها حتى أنفاسنا. إذا رأيت أرضك قد أنبتت زرعاً غير الذي غرسته بيدك، فلا تجزع ولا تغضب، بل سارع بقلبك إلى سورة الواقعة واقرأ فيها بتدبر قول الحق تبارك وتعالى: ﴿أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾.

إنها رسالة السماء لك لتعلم أن البذرة منك، لكن الإنبات والطرح والثمر من تدبير الحكيم الخبير الذي يعلم ما يُصلحك وما يفسدك. وقد كان أئمتنا وساداتنا يعالجون هذا الداء العضال بالتسليم المطلق، كما قال الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، قطب العارفين وصاحب الحكم السائرة): "أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك".

إن الأدب مع الله يا ولدي يقتضي منك أن تقف على أربعة أركان متينة لا يكتمل إيمانك إلا بها: أولها أن تشكر النعمة مهما بدت لك في ظاهرها محنة، وثانيها أن تقنع بالحكمة الإلهية الخفية التي تغيب عن قصر نظرك، وثالثها أن ترضى بالقسمة التي قسمها لك المالك، ورابعها أن تحفظ الحرمة فلا تتسخط ولا تعترض على مقام الربوبية.

اعلم يا بني أن الهجرة الحقيقية ليست مجرد انتقال من أرض إلى أرض، بل هي الخروج من "مراداتك" الضيقة، إلى "مراد" سيدك ومولاك. هذا الصدر الذي اختاره الله لك لتشغله، وهذه الوظيفة التي وُضعت فيها، وهذا الرزق الذي سُقته، لو رضيت به وسلمت أمرك لله فيه؛ لتحول بين عشية وضحاها إلى جنة عرضها السماوات والأرض. إن التسليم الصادق يقتضي منك ألا تنازع مولاك الاختيار. صدقني يا ولدي، متى هجرت هواك إلى الله، فإن العوض هو الله ذاته! وحين تترك شيئاً لا يرضي الله من أجل الله، كأن تترك وظيفة تدر عليك مالاً وفيها شبهة حرام، أو ترفض التوقيع على ورقة قد تجلب لك السيارات الفارهة والمكانة العالية، فإنك بهذا الترك تعبر عن صدق عبوديتك.

وهنا أذكرك بحديث سيدنا رسول الله الذي أصل لنا هذا المعنى حين قال: «من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه» (أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح). تأمل معي يا ولدي في هذا المعنى العظيم الذي نغفل عنه في حديث الهجرة؛ يقول الحبيب المصطفى : «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» (رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما). هل لاحظت أن النبي لم يقل: "فله الجنة"؟ لم يحدد الجزاء! لماذا؟ لأن العبد إذا ترك لله، فإنه يترك على قدر فقره وضعفه ومحدوديته، فلو قيل له "لك الجنة" لكان هذا تقييداً للعطاء.

لكن الحق سبحانه أراد أن يخبرك: "يا عبدي، تركك على قدرك، وعوضنا على قدرنا.. أنت تركت من أجلنا، فسنعطيك ما تركت، ونكرمك بعطائنا الذي لا يحده حد". لم يعدك بالجنة ولم يكتفِ بتأمينك من النار فحسب، بل قال لك: "أنت حكايتك عندي أنا".

لقد زهدت في "المملكة" الزائلة، فكان العوض هو القرب من "الملك" جل جلاله. العبد الموصول بالله، الذي صفا قلبه وعرف المصطفى ، يمشي في الأسواق ومعه نور اليقين في جيبه وفي صدره. لا يموت مقتولاً من التفكير في "بكرة" كمن علق قلبه بالأسباب، بل يعيش حياً كريماً مطمئناً، لا يحزن على مفقود ولا يفرح بموجود، لأنه يعلم أن من وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.