السؤال
كيف أهلكتني كلمة استهزاء ظننتها مزاحاً عابراً؟
أشعر أن لساني يسبقني دائماً، وقد أتكلم على أهل الدين أو العلماء أو حتى الصالحين بنوع من السخرية أو التعليق الخفيف بدعوى المزاح، ثم أندم، لكني لا أتصور أن الأمر يبلغ هذا الخطر العظيم، فهل فعلاً قد تهلكني كلمة لم أقصد بها شيئاً؟
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن أخطر ما يفسد قلب العبد ويهلك دينه هو استهانته بالكلمة، فإن الكلمة في ميزان الله ليست كما تراها أنت خفيفة، بل قد تكون عند الله عظيمة تهوي بصاحبها في دركات الهلاك.
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخطر بياناً قاطعاً حين قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يدري لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً» (أخرجه الترمذي، رقم 2314).
فالكلمة التي تخرج بغير تقدير ولا تعظيم قد تكون سبباً في سقوط العبد سقوطاً بعيداً.
ويزيد الأمر وضوحاً ما حدث في غزوة تبوك، حين قال رجل كلمة استهزاء في قرّاء الصحابة، يصفهم بأنهم يأكلون ولا يشبعون ويتكلمون فيكذبون ويجبنون عند اللقاء، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم اشتد غضبه، ونزل القرآن فوراً يفضح خطورة هذه الكلمة: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾.
فتأمل يا ولدي، الرجل نفسه اعتذر وقال إنه كان يمزح، لكن لم يُقبل منه هذا العذر، لأن الأمر ليس متعلقاً بنيتك فقط، بل بجلال المقام الذي تعرّضت له.فالصحابة كانوا "ملحقين برسول الله"، لأنهم حملته وأصحابه، والكلام فيهم امتداد للكلام في الدين نفسه.
ومن هنا نفهم قاعدة عظيمة أشار إليها الشيخ: أن الاستهزاء أو التناول ولو بطريق المزاح لأهل الله والعلم والدين ليس أمراً عابراً، بل هو باب خطير، لأنهم حملة الشريعة، والوقيعة فيهم طعن في المنهج الذي يحملونه.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (رواه الطبراني وحسنه بعض أهل العلم)، وقال أيضاً: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» (رواه الطبراني).
وهذا يدل على أن السلامة كل السلامة في الإمساك، لا في الخوض.
أما العلاج يا ولدي، فهو ليس فقط في كف اللسان، بل في تعظيم القلب: أولاً: راقب كلامك قبل أن يخرج، واجعل بين الفكرة واللفظ وقفة محاسبة، فإن الكلمة إذا خرجت "طير يطلع من الإبرة ما تعرفش تدخله تاني"، كما عبّر الشيخ، أي لا يمكن استرجاع أثرها بعد وقوعها.
ثانياً: اربط قلبك بتعظيم أهل الدين، وتذكر أنهم أسباب هدايتك، فبدلاً من السخرية، استحضر فضلهم، وهذا يعصمك من الانزلاق.
ثالثاً: إذا أخطأت، فبادر بالتوبة الصادقة، والإكثار من الاستغفار، وإصلاح ما أمكن إصلاحه، لكن لا تتكل على أن الاعتذار يمحو كل شيء، فبعض الزلات عظيمة في ذاتها.
رابعاً: الزم الأدب مع كل ما يتصل بالدين، حتى في المزاح، فإن المزاح إذا دخل في جناب الدين انقلب إلى خطر عظيم، كما بيّن القرآن في قصة تبوك.
فاحفظ لسانك، فإن النجاة في الصمت إلا عن خير، والهلاك في كلمة لا تُلقى لها بال.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط ((إحذر من لسانك) لحوم العلماء مسمومة شمها يمرض وأكلها يقتل)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (خطورة زلات اللسان والطعن في ورثة الأنبياء: رؤية عقدية للشيخ جابر بغدادي)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (خطر اللسان وحرمة مجالس الصالحين: قراءة فقهية في صون أعراض العلماء وأهل البيت)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (خطورة زلات اللسان وحرمة أولياء الرحمن: مرقاة السالكين في حفظ الأدب مع ورثة سيد المرسلين)التزكية والتصوف
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (إحذر من لسانك لحوم العلماء مسمومة شمها يمرض وأكلها يقتل)التوثيق العلمي
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (كيف يحرمني سوء الظن بالعلماء من نور القرب ومحبتهم؟)الأسئلة
