Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
تساؤلات القلوب الحائرة وعقبات السائرينسؤال من مريد حائر يبحث عن الترقي

السؤال

"لطالما تمنيت بلوغ المقامات العالية كشرف الشهادة في سبيل الله، وأشعر أحياناً بالقصور والحسرة حين أرى عمري يمضي في طاعات يومية تبدو لي اعتيادية من صلاة وصيام. فهل في امتداد العمر فرصة لتدارك تلك المقامات؟ وكيف لي، وأنا في زماني هذا، أن أدرك شرف "المعية" مع سيدنا رسول الله التي أسمعكم تتحدثون عنها، وكيف أحفظ قلبي وجوارحي لأصل إلى هذه الرتبة العظيمة التي تفوق الشهادة؟"

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن العمر الممنوح لك ليس مجرد أيام تمضي وأنفاس تنقضي، بل هو كنز عظيم من كنوز الله العظمى، تُدَّخر فيه الصلوات الزاكيات، والتسبيحات الباقيات، ويضاعفها الحق جل جلاله بفيض كرمه لمن يشاء من عباده. فلا تستهن بلحظة تعيشها في طاعة، ولا تحتقرن من المعروف شيئاً، فإن استدامة الطاعة سر عظيم من أسرار الوصول، وتحقيق لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. لتعرف قيمة هذا الكنز يا ولدي، وتزيل عن قلبك غيوم الحيرة، تأمل ما استقر في دواوين السنة، كما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل (المتوفى سنة 241 هـ، شيخ الإسلام وإمام أهل السنة)، والإمام ابن ماجه (المتوفى سنة 273 هـ، الحافظ الكبير)، عن سيدنا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه. فقد جاء إلى حضرة النبي رجلان أسلما معاً، وكان أحدهما شديد الاجتهاد في العبادة حتى مات شهيداً في سبيل الله، بينما عاش الثاني بعده بسنة كاملة ثم توفي. يروي سيدنا طلحة رؤيا عجيبة، إذ يقول إنه رأى نفسه واقفاً على باب الجنة، وإذ بمنادٍ من الداخل ينادي أولاً على الرجل الآخر الذي مات متأخراً ليدخل الجنة، ثم نودي على الشهيد المجتهد بعده. ولما قص سيدنا طلحة ما رأى، تعجب الصحابة الكرام، وتساءلوا بين يدي رسول الله قائلين: يا رسول الله، عجباً! كيف يسبقه الثاني ويدخل الجنة قبله، وقد كان الشهيد أكثر اجتهاداً في العبادة؟ فجاء الرد النبوي الشريف كاشفاً لسر الزمان وبركة العمر، ومبدداً لظلمات اليأس من القلوب، حين قال: «ألم يصل عاما؟ ألم يصم معنا رمضان؟». فلعل الله تبارك وتعالى أن يكون قد بارك لهذا الرجل في سجدة خالصة، أو ضاعف له الأجر في ركعة خاشعة، أو رحمه بنظرة، أو وهبه شفاعة. والأجمل والأعمق يا ولدي في هذا الرد النبوي الشريف، هو قوله: "أنه صام معنا". هذه الكلمة النورانية يجب أن نضعها بين قوسين من الفهم، لأنها تشير صراحة إلى أنه صام في "معية" حضرة النبي. إن رتبة المعية هنا هي رتبة روحية سامية، تفوق في فضلها وعظمتها رتبة الشهادة ذاتها؛ لأن الشهيد جاد بروحه في موقف، بينما من عاش في المعية جاد بهواه ونفسه لله في كل موقف. فكيف يتحقق لك، أيها المريد السالك، أن تكون في هذه المعية الشريفة؟ يتحقق ذلك بأن تُعطي المعية حقها، وتلزم لها حُسن الأدب، مستحضراً في كل حين، وفي كل نبضة قلب، أنك "عبد"، وأنه جل جلاله هو "الرب". ولكي تبقى دائماً في معية الله تعالى ورسوله، إياك أن تجترئ على الحرمات، فالطريق يبدأ بالكف قبل الدفع، والتخلية قبل التحلية. وقد أصَّل الإمام أبو عيسى الترمذي (المتوفى سنة 279 هـ، الحافظ البارع وعلم من أعلام المحدثين) في سننه لهذه القاعدة الذهبية بإخراجه قوله: «اتق المحارم تكن أعبد الناس». فإذا كانت الصلاة في البيت الحرام تُضاعف بمائة ألف صلاة، فإن صلاة العبد الذي حرَّم على نفسه الالتفات إلى السوى، ومنع جوارحه عن مساخط الله، هي صلاة من مقام رفيع؛ حيث تنقلب أنفاسه كلها إلى تسابيح متصلة، وتغدو حياته التجسيد الحقيقي لـ "عبادة الإخلاص"، لتكون كل حواسه وجوارحه، ظاهراً وباطناً، مع الله وبالله. فاستبشر بعمرك، واملأه بالتقوى، تكن من أهل المعية الفائزين.

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.