السؤال
لطالما راودني هذا التساؤل في مسيرتي إلى الله: أليس الفضل كله بيد الله يؤتيه من يشاء؟ أنا أقرأ القرآن، وأشعر بمدد الله ونعمه تتوالى عليّ في حياتي، فلماذا يُلحّ أهل التصوف والسلوك على ضرورة وجود الشيخ والمربي؟ ألا يمكنني الاستغناء بفضل الله المباشر وعطائه عن اتخاذ مرشد أو أستاذ؟ أشعر أحياناً أن الطريق إلى الله مفتوح ولا يحتاج إلى واسطة، فما حاجتي لشيخ طالما أنني أتلقى نعم الله وأستشعر رحمته؟
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن العطاء الرباني لا يحده حد، وأن المدد الإلهي ينزل على القلوب المفتقرة إليه بفضل الله وكرمه المحض. ولكن القضية الجوهرية في طريق السير إلى الله ليست مجرد وصول النعمة إليك، بل في حسن الأدب مع المنعم جل جلاله عند وصولها. انظر يا ولدي إلى كتاب الله الذي تتلوه؛ تجد في فواتح سورة البقرة قوله تعالى: ﴿الم﴾، وتجد في سورة الشرح قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. إن الرسم في المصحف الشريف واحد، والأحرف كُتبت متصلة في الموضعين، فما الذي جعلك تقرأ الأولى مقطعة بتسكين الحروف "ألف، لام، ميم"، وتقرأ الثانية موصولة؟ إنك لم تدرك هذا الفارق باجتهادك العقلي، بل عرفته بالتلقي والمشافهة عن أستاذ أخذ عن أستاذ بسند متصل إلى رسول الله ﷺ. وقد بين هذا المعنى الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (المتوفى سنة 279 هـ، الحافظ العَلَم وإمام المحدثين) حين أخرج في جامعه الصحيح قول النبي ﷺ: «لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف». ومن إعجاز البلاغة النبوية أن النبي الأمي ﷺ نطق بالحروف مسماة ولم ينطقها بوصفها، ليعلمنا أن الأمر توقيف. هذا التوقيف في ظاهر التلاوة يبرز حقيقة باطنة في فقه السلوك؛ وهي أنك لا تستطيع أن تقرأ القرآن لوحدك قراءة صحيحة بلا أستاذ يضبط لسانك، فكيف ترجو أن تقرأ خفايا نفسك المليئة بالآفات وتزكيها دون مربٍّ بصير يضبط جنانك؟ ولذلك صدق العارف بالله مصطفي البكري حين قال: ""والزم باب الأستاذ تفز، وتكون بذلك خِلَّ نجي، واخرج من كل هوى أبداً، ودع التلفيق مع الهرج"". يا ولدي، أنت حقاً لا تحتاج إلى شيخ لتتلقى نعم الله عليك، فالأرزاق والمدد مكفولة من الخالق سبحانه. أنت لا تحتاج شيخاً عند وصول مدد الله إليك، لكنك تفتقر يقيناً إلى شيخ يرقيك في مراتب الأدب مع هذه النعم والعطايا. المربي هو الذي يأخذ بيدك ليعلمك كيف تشكر المنعم، فلا تقف عند حلاوة النعمة وتغتر بها، بل ترقى بجناح الشكر إلى مواطن الزيادة؛ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. وقد أكد الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، قطب العارفين وإمام الطريقة الشاذلية) أن النعم شوارد، وقيدها الشكر. فالشيخ يعلمك هذا القيد، ويحرس قلبك من الانشغال بالعطاء عن المعطي، لتكتمل عبوديتك وتصل إلى مراد الله منك سالماً غانماً.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (من أسرار فواتح السور والحروف المقطعة: لماذا نحتاج إلى الشيخ المربي؟)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة التلقي وأسرار التزكية: بين أنوار الوحي وضرورة المربي)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (أسرار التلاوة وفقه التلقي: من ظواهر الحروف إلى بواطن الشكر)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أنوار التلقي وأسرار التزكية: رحلة الروح من شهود النعمة إلى مقام الشكر)التزكية والتصوف
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (نوان التوثيق التوثيق الأكاديمي لأسرار فواتح السور وضرورة التلقي في السلوك)التوثيق العلمي
