السؤال
أخشى أن أكون من «عبيد الفرج».. كيف أعالج فتور قلبي بعد زوال الكرب؟
"أجد في نفسي عيباً يخيفني ويشعرني بالنفاق؛ فعندما تشتد عليّ الأزمات أو يمرض لي حبيب، تجدني أهرع إلى المسجد، وأبكي في سجودي، وأطيل الدعاء بافتقار شديد.
ولكن بمجرد أن يفرج الله همي وتنقضي حاجتي، يتسلل الفتور إلى قلبي بشكل عجيب، فأعود للتأخر عن الصلاة، وأهجر وردي، وتتلاشى تلك الحرارة الروحية.
أشعر بالخجل من ربي وكأنني أعامله بـ "المصلحة".
كيف أتخلص من هذا الداء وأثبت على العبادة في الرخاء كما أثبت في الشدة؟"
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن ما تشعر به من الخوف والوجل هو في ذاته علامةٌ على حياة قلبك؛ فالذي يخاف النفاق هو أبعد الناس عنه، والمنافق الحقيقي هو الذي يأمن مكر الله.
ولكنك بصدقك هذا قد وضعت يدك على مَزلقٍ خفيٍّ من مزالق السلوك، ألا وهو التحول من "عبادة المَعبود لذاته" إلى "عبادة الأعراض والحظوظ".
ولقد حذرنا ساداتنا من أهل التحقق، وعلى رأسهم الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة ٧٠٩ هـ، تاج الدين ومقنن التصوف الشاذلي) في حكمه العطائية بصيحةٍ تقرع القلوب قائلاً: "إيَّاكُمْ وأخْذَ الرِّشاءِ علَى العِبادَةِ".
والرِّشوة هنا يا بُنيَّ ليست مالاً تدفعه في معصية، بل هي أن تجعل صلاتك، وتضرعك، وبكاءك في المسجد مشروطاً بدفع البلاء عنك؛ فكأنك تقول لربك: "أنا أعبدك لتعطيني، فإذا أعطيتني انصرفت".
وهذا يحول العقد الإلهي من "علاقة عبودية محضة" إلى "عقد إجارة ومعاوضة"، فإذا قبض الأجير أجرته ولّى وترك الباب، محققاً في نفسه الوصف القرآني المخيف: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾.
ودواء هذا الداء يا ولدي يكمن في تصحيح "المَعبود" في قلبك؛ فالتساؤل الذي يطرحه الشيخ جابر هنا يوجهه لضميرك مباشرة: "أينَ صراخُكَ في جَنَباتِ المسجدِ ؟ أفلَمَّا فُرِّجَتْ عنكَ ولَّيتَ؟ الله! إنْ كُنتَ كذلكَ فأنتَ إذًا "عبدُ الفَرَجِ"، ولستَ "عبدَ اللهِ"؛ فالعبدُ الحقُّ هو الذي يَثبُتُ في المِنحةِ ثباتَهُ في المِحنة.
فالعلاج يبدأ بأن تنقل افتقارك من "الافتقار الاضطراري" الذي تفرضه عليك الأزمة، إلى "الافتقار الاختياري" الذي تفرضه عليك حقيقة العبودية؛ فالله غنيٌّ عن العالمين في الشدة والرخاء، وأنت فقيرٌ إليه في الشدة والرخاء.
ولكي يثبت قلبك، انظر إلى الميزان النبوي الأوفى؛ حيث السيدة عائشة رضي الله عنها (المتوفاة سنة ٥٨ هـ، أفقه نساء الأمة وأحب أزواج النبي إليه) تراه وقد قام الليل حتى تفطرت وتورمت قدماه، فتسأله بمنطق النجاة: «يا رسول الله، تقف طول الليل لما رجلك توجعك، هون على نفسك، فقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟»، فيرد حضرته بالدواء الذي أريدك أن تكتبه على جدران قلبك (كما أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٤٨٣٧): «أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً».
تأمل يا ولدي..لقد جاءه "الفرج المطلق" بضمان المغفرة، فهل ترك السجادة؟ لا، بل زاد قياماً! لأن الفرج عند الأحرار هو وقودٌ لزيادة الحياء من المُنعِم، وليس إذناً بالانصراف.
فإذا فرّج الله همك غداً، فاجعل أول رد فعلٍ لك هو أن تضاعف وردك وصلاتك، وقل لنفسك: "أيَليقُ بي أن آخذ البضاعة من الكريم ثم أُولِّيه ظهري وأفرّ؟".
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (تأدبوا مع النعم حتى لا تزول.. حقيقة العبودية بين «عبد الفرج» ومقام «العبد الشكور»)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (توحيد القصد وحقيقة العبودية.. قراءة عقدية في تحذير الدكتور جابر بغدادي من مقام «عبد الفرج»)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (أدب السلوك إلى ملك الملوك.. مقامات التزكية بين مَزلق «عبد الفرج» ومحراب «العبد الشكور»)الشريعة
- يمكنك مراجعة الأحكام الشرعية الواردة في هذا الفيديو من هنا (فقه العبادات وأسرار النيات.. تأصيل شرعي في تحذير الدكتور جابر بغدادي من «أخذ الرشاء على العبادة»)الشريعة
- للتعمق في الجانب الروحي وتزكية النفس لهذا الموضوع، راجع هذا المحتوى (أدب السلوك إلى ملك الملوك.. مقامات التزكية بين مَزلق «عبد الفرج» ومحراب «العبد الشكور»)التزكية والتصوف
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (تحقيق وتأصيل مقامات الأدب مع النعم وحقيقة العبودية عند الشيخ جابر بغدادي)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (كيف أحول بيتي وأشيائي المادية إلى «محراب للشكر»؟)الأسئلة
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (أعمل بكدٍّ ولا أجد كفاف يومي.. هل ضيق الرزق دليلٌ على غضب الله عليّ؟)الأسئلة
