السؤال
أعمل بكدٍّ ولا أجد كفاف يومي.. هل ضيق الرزق دليلٌ على غضب الله عليّ؟
"تراودني وساوس قاسية تكاد تعصف بيقيني؛ فأنا رجل أسعى على عيالي باليومية، وأتقي الله في لقمة عيشي، ومع ذلك تشتد عليّ الضائقة المالية حتى إني قد أطوف على بيتي فلا أجد ما يسد جوع أطفالي سوى الخبز الحاف والماء.
وفي المقابل، أرى من حولي ممن يغشون ويأكلون الحرام تفتح لهم الدنيا أبوابها.
يبدأ الشيطان يهمس في أذني: "لو كان ربك يحبك لَما تركك وأطفالك تتألمون من الجوع".
كيف أطفئ هذه الشبهة في صدري وأفهم مراد الله مني في هذا الضيق؟"
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن هذه الوساوس التي يبثها شيطان اليأس في روعك هي من أخطر حِيَله ليفك ارتباطك بربك؛ ومَبنى هذه الشبهة الفاسدة يقوم على ميزانٍ ماديٍّ مختل يظن أن "العطاء الدنيوي دليلٌ على الرضا، وأن المنع المادي دليلٌ على السخط".
ولَو كان هذا الميزان المادي صحيحاً في شرع الله، لَكان فرعون، وقارون، وأكاسرة الفرس، وقياصرة الروم هم أحبَّ الخلق إلى الله وأقربهم زُلفى! ولكي أقتلع هذه الشبهة من صدرك وأبدلها طمأنينةً تبرد بها كبدك، يصحَبُنا الدكتور جابر بغدادي في رحلةٍ إلى أطهر بيتٍ عُرف على ظهر الأرض؛ بيتِ حبيبِ ربِّ العالمين وقرةِ عيون الموحدين سيدنا محمد ﷺ.
انظر يا بُنيَّ إلى أفق المفارقة العجيبة في حياته: فهذا النبي الأكرم هو صاحب السيادة المطلقة الذي يقول عن نفسه بلسان اليقين (كما أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ١٣٤٤): «وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض»؛ فكان يملك الدنيا بأسرها، وتنقاد له كنوزها لو أراد! ومع هذه الحيازة المطلقة، كيف كان يعيش في بيته؟ يسرد لنا الشيخ ثلاثة مشاهد تخرس وسواس الشيطان في صدرك: الأول: أنه ﷺ كان يقف في المحراب يصلي، والحجر مَعصوبٌ ومَربوطٌ بحزامٍ على بطنه الشريفة (كما أخرجه الترمذي في سننه، رقم ٢٣٧١)؛ يشد به قامته لكيلا تصرخ أمعاؤه من شدة الجوع والمَخمصة! الثاني: أنه يطرُق بابَه الضيفُ، فيبعث إلى حُجرات أزواجِه التسع يلتمس طعاماً يُقريه به، فتخرج الإجابة من بيوت آل محمد قاطبةً (كما في صحيح مسلم، رقم ٢٠٥٤): «ما معنا إلا الماء»! الثالث: أنه ﷺ فاضت روحه الطاهرة إلى باريها (كما في صحيح البخاري، رقم ٢٩١٦) ودِرعُه مَرهونةٌ ومَحبوسة عند تاجرٍ يهوديٍّ في ثلاثين صاعاً من شعيرٍ اشتراها قوتاً لأهل بيته! لماذا أجرى الله هذا القَدَرَ المظهريَّ القاسيَ على أحبِّ خلقه إليه؟ لكي يضع لك يا ولدي قاعدةً عقديةً وسلوكيةً أبديَّة: أن الفقر ليس عقوبةً، بل هو في حق الصادقين "مَقامُ اصطفاءٍ وتجريد".
فالله لم يمنع عنك الدنيا هواناً بك عليه، بل حماك من فتنتها، وأراد أن يرقق قلبك بالافتقار إليه.
يقول سلطان الأولياء سيدي الإمام عبد القادر الجيلاني (المتوفى سنة ٥٦١ هـ، إمام الطريقة القادرية): "يا بني، لا تظن أن البلاء جاء لِيُهلِكك، إنما جاء لِيَختبر صَبرك ويُصَفِّيَ وِدَّك".
فإذا جعت غداً يا ولدي، فانظر إلى بطن نبيك المعصوبة بالحجر، وابتسم في وجه شيطانك وقل له: "أنا أُواسي حبيبي المصطفى في شظف العيش، وغنايَ بربي أَبقى من موائدكم الفانية".
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (تأدبوا مع النعم حتى لا تزول.. حقيقة العبودية بين «عبد الفرج» ومقام «العبد الشكور»)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (توحيد القصد وحقيقة العبودية.. قراءة عقدية في تحذير الدكتور جابر بغدادي من مقام «عبد الفرج»)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (أدب السلوك إلى ملك الملوك.. مقامات التزكية بين مَزلق «عبد الفرج» ومحراب «العبد الشكور»)الشريعة
- يمكنك مراجعة الأحكام الشرعية الواردة في هذا الفيديو من هنا (فقه العبادات وأسرار النيات.. تأصيل شرعي في تحذير الدكتور جابر بغدادي من «أخذ الرشاء على العبادة»)الشريعة
- للتعمق في الجانب الروحي وتزكية النفس لهذا الموضوع، راجع هذا المحتوى (أدب السلوك إلى ملك الملوك.. مقامات التزكية بين مَزلق «عبد الفرج» ومحراب «العبد الشكور»)التزكية والتصوف
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (تحقيق وتأصيل مقامات الأدب مع النعم وحقيقة العبودية عند الشيخ جابر بغدادي)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (أخشى أن أكون من «عبيد الفرج».. كيف أعالج فتور قلبي بعد زوال الكرب؟)الأسئلة
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (كيف أحول بيتي وأشيائي المادية إلى «محراب للشكر»؟)الأسئلة
