Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
الأخلاقسؤال من مريدٌ يبحثُ عنْ طهارةِ القَلبِ

السؤال

قَسوَةُ القَلبِ والعَجزُ عَنْ التْماسِ الأَعذارِ: كَيفَ أُطهِّرُ صَدري مِنْ غِلِّ الخُصومَةِ؟

أجدُ في نفسي قسوةً وغِلّاً تُجاهَ أخٍ لي أساءَ في حقِّي، وكلَّما حاولتُ أن أصفحَ عنهُ ثارتْ كرامتي وعزَّتْ عليَّ نفسي، وحاولتُ أن ألتمسَ لهُ عُذراً فلم أجدْ لِتصرُّفِهِ أيَّ مَبرِّرٍ مَنطقيٍّ.
أشعرُ أنَّ صدري يَضيقُ بهذا الحِقدِ، وأخافُ على دِيني من هذهِ الخُصومةِ؛ فكيفَ أُروِّضُ كِبرَ نفسي، وكيفَ أُطهِّرُ قلبي من هذا الْغِلِّ المُهلِكِ؟

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أنَّ ما تَشعرُ بهِ منْ ضيقٍ ومَشقَّةٍ في مُسامَحَةِ أخيكَ، هو أثرٌ منْ آثارِ وُقوفِكَ معَ حُظوظِ 'النَّفْسِ الأمَّارَةِ'، التي تَتَستَّرُ خَلْفَ شِعارِ الكَرامَةِ لِتَمنعكَ منْ شُهودِ أنوارِ المَغفرةِ.
وإنَّ دَواءكَ النَّاجعَ يَكمنُ في إدراكِ القاعدةِ السُّلوكيَّةِ التي صدَّرَ بها العارفُ باللهِ الدكتور جابر بغدادي توجيهَهُ: 'المحبُّ الصادقُ لا يُحوجُ حبيبَهُ إلى مَذلَّةِ الاعتذارِ'.
ولِكَيْ نُعالجَ هذا الْغِلَّ عَمَليّاً يا ولدي، نَستلهمُ المَنهجَ النَّبويَّ الذي أرساهُ سيدي الإمامُ حمدونُ القَصَّارُ (المتوفى سنة ٢٧١ هـ، إمامُ المَلامَتِيَّةِ وأحدُ أساطينِ التَّزكِيَةِ في زَمانِهِ)، حينَ جاءهُ رَجلٌ يَشكو مِثلَ شَكواكَ، فأرشدهُ إلى المَرحلةِ الأولى منَ العِلاجِ قائلاً: 'التمسْ لأخيكَ سبعينَ عُذراً'.
والسبعونَ هنا ليستْ رَقماً حِسابيّاً، بلْ هي كنايةٌ عنْ وجوبِ استنفادِ كُلِّ مَخْرجٍ شَرعيٍّ ولُغويٍّ ونَفسيٍّ لِتَبريرِ خَطأِ أخيكَ، فَتَقولَ لِنفسكَ: (لعلَّهُ كانَ مَهموماً، لعلَّهُ لَمْ يَقصِدِ اللَّفظَ، لعلَّهُ سَمِعَ عنِّي شَيئاً باطلاً).
فإذا جاءتْ المَرحلةُ الثَّانيَةُ، ووجدتَ أنَّ نَفْسَكَ —بِقَسوَتِها— قدْ رَفضتْ السَّبعينَ عُذراً، وقالَ لكَ شَيطانُ العِزَّةِ: (لا عُذرَ لَهُ عندي)، فإيَّاكَ أنْ تَستسلمَ؛ بلِ انتقلْ فوراً إلى 'الدَّواءِ المُرِّ' الذي وَصفَهُ الإمامُ حمدونُ قائلاً: 'إذا أعددتَ لَهُ سبعينَ عُذراً ولم تقبلْ نَفْسُكَ منها واحداً؛ فَضَعْ لَهُ خدَّكَ على التُّرابِ، وقُلْ لَهُ: دُسْ يا أخي؛ لعلَّ اللهَ أنْ يُخرجَ غِلَّ ذلكَ منْ قلبِكَ'.
تأمَّلْ يا ولدي هذا التَّشخيصَ العَميقَ؛ فإنَّ الْغِلَّ لا يَسكنُ في القَلبِ إلَّا إذا وجدَ فيهِ 'صَنَمَ الأنا' مُنتَصِباً.
وحينَ تضعُ خَدَّكَ على التُّرابِ —الذي هو أصلكَ المَهينُ— فإنَّكَ لا تَسجدُ لِبشرٍ، بلْ تَقومُ بِـ 'إعدامِ الكِبرِ' في مِحرابِ التَّواضعِ، فَتَكسرُ الكأسَ المَسمومَةَ التي يَشربُ منها الْغِلُّ.
ولكي تَقوى رُوحكَ على هذا التَّذلُّلِ، تَذكَّرْ ما أصَّلهُ الشيخُ جابر في ذاتِ الدَّرسِ منْ أنَّ اللهَ جلَّ جلالُهُ يَتودَّدُ للمُسيئينَ؛ كما أخرجَهُ الإمامُ مسلمٌ في صحيحِهِ (رقم ٢٧٥٩) منْ حديثِ أبي مُوسى الأشعريِّ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ...».
فإذا كانَ الملكُ الجبَّارُ يَبسطُ يَدَهُ باللَّيلِ لِمَنْ أساءَ في النَّهارِ، ولا يُحوجُهُ إلى تَجرُّعِ ذُلِّ الاعتذارِ، فكيفَ يَليقُ بِعبدٍ مَخلوقٍ منْ تُرابٍ، أنْ يَتَكبَّرَ على أخيهِ المَخلوقِ منْ تُرابٍ؟! اطْوِ بَساطَ المُحاسبَةِ يا ولدي، وعامِلْ إخوانكَ بِسِتْرِ المَحبَّةِ؛ يَسلبِ اللهُ قَسوَةَ الْغِلِّ منْ وِجدانِكَ.

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.