السؤال
'أقف بين يدي الله في الصلاة، وأصوم نهاري، لكني أشعر بثقل العبادة وكأنها عبء يؤرقني. لا أذوق للصلاة حلاوة، ولا أجد للصيام لذة، بل أعد الدقائق لتنقضي. أسمعكم تتحدثون عن معراج القلوب ولذة المناجاة، لكني لا أرى نفسي إلا حبيس هذا الجسد الكسول. كيف أرتحل من هذا السجن لتصبح صلاتي جنة، وكيف أنال تلك النظرة التي ترفعني إلى محطة الروح؟'
'أقف بين يدي الله في الصلاة، وأصوم نهاري، لكني أشعر بثقل العبادة وكأنها عبء يؤرقني.
لا أذوق للصلاة حلاوة، ولا أجد للصيام لذة، بل أعد الدقائق لتنقضي. أسمعكم تتحدثون عن معراج القلوب ولذة المناجاة، لكني لا أرى نفسي إلا حبيس هذا الجسد الكسول.
كيف أرتحل من هذا السجن لتصبح صلاتي جنة، وكيف أنال تلك النظرة التي ترفعني إلى محطة الروح؟'
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن الصيام الذي شرعه الله لك ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو دواء رباني ناجع لداء قسوة القلب وثقل الطاعة. إن الصيام الحقيقي هو حرية وانعتاق من قيود الكسل، وتجريد للروح من حُجب الطين، لترتقي بك العبادة من ضيق ما تسميه 'محنة الكلفة' إلى سعة وبهاء 'منحة الشرفة'. فإذا ما تحررت الروح بصيامها، لم تعد الصلاة مجرد أداء حركي نؤديه خوفاً لكي نخرج من النار فحسب، بل تصير الصلاة ذاتها جنة غنّاء، وتصبح هي الدواء وهي الغاية، مصداقاً لما أخبر به نبينا الأكرم في قوله: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» (أخرجه النسائي وأحمد في مسنده، وهو حديث صحيح). لقد أشار الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى سنة 505 هـ، حجة الإسلام ومجدد علوم الدين) إلى أن العبد إذا لم يجد في قلبه حلاوة ومزيداً، فليعلم أن هناك حجاباً يحول بينه وبين ربه. وهذا الحجاب يرفعه الفهم العميق للصلاة؛ فهي معراج الروح، فيها ينسى العبد همه وينطوي عنه طور الألم المادي الذي يشتكي منه. تأمل يا بني مسار هذه الرحلة السماوية في صلاتك كما وضحها أهل العرفان: حتى إذا قلت 'الله أكبر' متخلياً عن الدنيا، انبسط لك البراق الروحاني، فإذا ما شرعت وقرأت الفاتحة، استفتحت بها أبواب سبع طباق؛ فتتفتح لك السماء الأولى، فإذا ركعت خاضعاً انفتحت السماء الثانية، ولما سبحت ربك ونزهته فُتحت السماء الثالثة، فإذا رفعت رأسك وحمدت الله فُتحت السماء الرابعة. ثم تهوي ساجداً لله، فينطوي بك المقام في السماء الخامسة، فإذا رفعت فسبحت ربك واستغفرته على مكانك فُتحت السماء السادسة، حتى إذا ما سجدت السجدة الأخيرة، كنت في 'مقام القرب' الذي وصفه الله في كتابه: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾، فَتُفتح لك السماء السابعة، ويحين اللقاء، لتتشهد في حضرات المحبوب. ولكن، لكي يكتمل هذا الفتح، وجب على العبد أن يدرك تمام الإدراك أنه لا سبيل لدخول هذه الحضرات ولا باب لهذا الفتح إلا من طريق الواسطة العظمى سيدنا محمد، فتتوجه إليه بالخطاب قائلاً: 'السلام عليك أيها النبي'. ولتعلم يا ولدي أن الله تعالى يتودد إلى أوليائه، فقد ورد في الأثر الإلهي الذي تتناقله قلوب العارفين وأورده الإمام أبو نعيم الأصبهاني (المتوفى سنة 430 هـ، الحافظ ومؤرخ الأولياء) بمعناه: «إن لي عباداً أحبهم ويحبونني، أشتاقهم ويشتاقون إلي، يتحينون الظلال في النهار ويحنون إلى الليل كما تحن الطير إلى أوكارها، وقفوا بين يدي وأفرشوا وجوههم لي، فهم بين متأوه وباكي وبين صارخ وشاكي، يتكلمون بكلامي ويتملقون إلي بإنعامي». وهؤلاء العباد، حين سئلوا عن أجرهم، جاء الجواب الإلهي: «أتعرف ماذا أعددت لهم؟ أعددت لهم ثلاثة أشياء: الأولى أني أنظر بوجهي إليهم». فإذا حصلت لك يا ولدي نظرة من الله جل جلاله، خرجت من طور الجسد المظلم إلى محطة الروح المضيئة. وعندما تتجلى الروح بنور ربها، تصير عبادتك من الله إلى الله، ويُجري الله على لسانك وقلبك الحكمة، ويتلطف سبحانه بضعفك البشري، فحينها لا يعود الجسد هو من يجر الروح بثقله كما تشعر الآن، بل تحمل الروحُ الجسدَ بخفتها ورقتها، وتزول عنك شوائب الطين، وتحصل لك من الله عطية القبول قبل حتى أن تُقبل عليه. فاستعن بصيامك على قيامك، واجعل من رمضان بوابة للولوج إلى أنوار هذا المعراج.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (كيف نذوق لذة الطاعة في رمضان؟ معراج الروح من محنة الكلفة إلى منحة الشرفة)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (أسرار المعراج الروحي ولذة الطاعة في رمضان | رؤية عقدية وإيمانية في ضوء توجيهات الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه العبادات في مدرسة الإحسان: تحويل الكلفة إلى منحة ربانية)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (معراج القلوب ولذة الطاعة: أسرار الصلاة والصيام في مدرسة الإحسان)التزكية والتصوف
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (كيف نذوق لذة الطاعة في رمضان ؟)التوثيق العلمي
