أسرار المعراج الروحي ولذة الطاعة في رمضان | رؤية عقدية وإيمانية في ضوء توجيهات الدكتور جابر بغدادي
إن من أعظم المنن التي يفيض بها الحق جل جلاله على عباده في شهر رمضان المعظم، هي أن يذيقهم "لذة الطاعة"، تلك اللذة التي تحدث عنها العارفون، وأشار إليها فضيلة الدكتور جابر بغدادي في توجيهاته المشرقة، مبيناً أن الصيام ليس مجرد امتناع عن المفطرات الحسية، بل هو دواء ناجع لأمراض القلوب، وباب عظيم للتحرر الروحي. فكيف نذوق هذه اللذة؟ وكيف تتغير نظرتنا للعبادة من مجرد أداء فريضة تسقط بها المطالبة، إلى نعيم معجل وجنة دنيوية نأوي إليها؟ يبدأ الدكتور جابر بغدادي بتأصيل هذا المعنى العميق قائلاً: "إزاي نذوق لذة الطاعة؟ الصيام دواء لذلك". فالصيام في حقيقته هو "حرية من الكسل، وحرية من الحجاب". إنه انتقال نوعي بالعبد من "محنة الكلفة" ومقاساة المشقة، إلى "منحة الشرفة" ومطالعة الأنوار الإلهية. وهنا يتجلى التحول الأعظم في حياة المؤمن؛ فبعد أن كانت غاية العبادة محصورة في النجاة من النار، ترتقي الهمة لتصبح الصلاة في ذاتها هي "الجنة". نعم، تصير الصلاة دواءً للروح، وتصير غايةً يُسعى إليها حباً وشوقاً، لا مجرد وسيلة للهروب من العقاب. وهنا يحلق بنا الدكتور جابر في وصف دقيق لماهية الصلاة حين تتحول إلى "معراج" روحي ⁽¹⁾. في هذا المعراج، ينسى العبد هموم دنياه، وينطوي عنه طور الألم والتعب، لتبدأ رحلة العروج في مقامات القرب بمجرد أن يرفع يديه قائلاً: "الله أكبر". ففي هذه اللحظة، كما يصف الشيخ، "انبسط البراق"، دلالة على الاستعداد لرحلة سماوية لا تقطعها المسافات بل تطويها النيات. وعندما يشرع العبد في قراءة سورة الفاتحة، فإنه يستفتح بها أبواب سبع طباق؛ فتنفتح له "السماء الأولى بالفاتحة". وكلما انتقل من ركن إلى ركن، ارتقى في سماء جديدة: "حتى إذا ركع انفتحت السماء الثانية، فلما سبح ربه فتحت السماء الثالثة، فرفع رأسه وحمد الله ففتحت السماء الرابعة، فسجد لله ينطوي في السماء الخامسة، حتى إذا رفع فسبح ربه واستغفر ربه على مكان فتحت السماء السادسة، حتى إذا سجد السجدة الأخيرة كان في مقام القرب ففتحت السابعة". وفي هذا المقام الأسمى، يأن لقاء المحب بمحبوبه، ويتشهد العبد في حضرات الأنس الإلهي. ولكن، وكما يؤكد الدكتور جابر بغدادي مرشداً إلى أصل أصيل من أصول الوصول، فإنه "لا سبيل للفتح إلا من طريق محمد". فالنبي الأعظم ﷺ هو باب الله الأعظم، ولا يمكن لعبد أن يلج حضرة القدس إلا من خلال تسليم القياد له ﷺ، ولذلك شرع لنا في ختام هذا المعراج أن نقول: "السلام عليك أيها النبي"، استحضاراً لروحيته، واعترافاً بفضله، واستمداداً من نوره. ثم ينتقل الشيخ إلى الحديث عن أهل المحبة، مستشهداً بحديث قدسي جليل يروي ظمأ الأرواح ⁽²⁾، حيث يقول الحق سبحانه: "إن لي عباداً أحبهم ويحبونني، أشتاقهم ويشتاقون إلي، يتحينون الظلال في النهار ويحنون إلى الليل كما تحن الطير إلى أوكارها". هؤلاء هم أبطال العبادة وعشاق الخلوات، الذين "وقفوا بين يدي وأفرشوا وجوههم لي، فهم بين متأوه وباكي وبين صارخ وشاكي، يتكلمون بكلامي ويتملقون إلي بإنعامي". فما هو جزاؤهم؟ يقول الحق تبارك وتعالى: "أتعرف ماذا أعددت لهم؟ أعددت لهم ثلاثة أشياء: الأولى أني أنظر بوجهي إليهم". ويا لها من نظرة! فإذا حصلت نظرة الرضا والعناية من الله إلى العبد، حدث الانقلاب الروحي؛ إذ "يخرج العبد من طور الجسد إلى محطة الروح". وعندما تتجلى الروح وتتسلم قيادة الكيان الإنساني، تصبح العبادة "من الله إلى الله"، ويجري على لسان العبد وجوارحه من الله الحكمة، ويتلطف الله بضعف هذا العبد، "فحملت الروح الجسد، وزال عنه شوائب الجسد، وحصلت له من الله عطية القبول قبل الإقبال". [توجيه عقدي احترازي هام: الرد على الفهم الجبري] وهنا، وأمام هذه المعاني الصوفية العالية والمقامات الروحية الرفيعة التي أشار إليها الدكتور جابر بغدادي - كقوله إن الصلاة تتحول لمعراج، وأن العبادة تصير "من الله إلى الله"، وأن الله يتلطف بضعف العبد فتحمل الروح الجسد - يجب علينا أن نتوقف وقفة عقدية صارمة، لضبط الفهم وتوضيح المنهج السني الصحيح، سداً لذريعة الفهم الخاطئ الذي قد يجر القارئ إلى مستنقع "العقيدة الجبرية" الباطلة. فالعقيدة الجبرية تدعي أن العبد مسلوب الإرادة، وأنه كالريشة في مهب الريح لا فعل له ولا كسب، وهذا ضلال مبين يخالف صريح القرآن الكريم الذي أثبت للعبد مشيئة وعملاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فالحق أثبت للعبد مشيئة، ولكنها تحت مظلة المشيئة الإلهية. وعليه، فإن قصد الشيخ جابر من قوله "عبادته من الله إلى الله" ليس نفي فعل العبد أو إرادته، بل هو إثبات وتأكيد لعقيدة أهل السنة والجماعة في "التوفيق الإلهي" والافتقار إلى الله. فالعبد هو من يأخذ بـ "أسباب" الطاعة، وهو من يجاهد نفسه على الصيام والقيام، وهذا هو "الكسب" الذي يحاسب عليه ويثاب عليه. قال الإمام الطحاوي (ت: ٣٢١ هـ) (ركن عقيدة أهل السنة) في بيانه لحرية العبد ومسؤوليته: "وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد" ⁽³⁾. فالعبد يجاهد، وحين يرى الله من عبده صدق المجاهدة، يفيض عليه بـ "الفضل" و"التوفيق". فالمبادرة بالكسب من العبد (وهو الجهد البشري)، والتمكين والتيسير والفتح من الرب الجليل (وهو التوفيق الإلهي). وبهذا التوفيق، يشعر العبد أن الطاعة يسرت له بفضل الله لا بحوله وقوته هو، فيتبرأ من حوله وقوته إلى حول الله وقوته، مردداً بلسان الحال والمقال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾. هذا هو الفهم المستقيم؛ أن تنسب الفضل كله لله (من الله إلى الله)، مع إثبات جهدك وتكليفك وكسبك، دون أن تنزلق إلى الجبر الذي يسقط التكاليف الشرعية، ودون أن تغتر بعملك فتنسب الفضل لنفسك. فالروح لا تحمل الجسد إلا بعد أن يتعب الجسد في مرضاة الله، وحينها تأتي عطية القبول مكافأة لصدق الإقبال.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (كيف نذوق لذة الطاعة في رمضان؟ معراج الروح من محنة الكلفة إلى منحة الشرفة)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه العبادات في مدرسة الإحسان: تحويل الكلفة إلى منحة ربانية)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (معراج القلوب ولذة الطاعة: أسرار الصلاة والصيام في مدرسة الإحسان)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (كيف نذوق لذة الطاعة في رمضان ؟)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه ('أقف بين يدي الله في الصلاة، وأصوم نهاري، لكني أشعر بثقل العبادة وكأنها عبء يؤرقني. لا أذوق للصلاة حلاوة، ولا أجد للصيام لذة، بل أعد الدقائق لتنقضي. أسمعكم تتحدثون عن معراج القلوب ولذة المناجاة، لكني لا أرى نفسي إلا حبيس هذا الجسد الكسول. كيف أرتحل من هذا السجن لتصبح صلاتي جنة، وكيف أنال تلك النظرة التي ترفعني إلى محطة الروح؟')الأسئلة
