Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
الطريق إلى اللهسؤال من مسلم يشكو ضعف الهمة والعجز عن الصبرالسؤال رقم 2

السؤال

العجز عن الصبر وضعف الهمة عن قيام الليل والذكر: كيف أنال الفرج وأصل إلى الرضا بقضاء الله؟

"أنا مسلم أواجه ابتلاءات شديدة ومصائب متتالية، وقد حاولت مراراً أن أصبر على هذا الضيق وأن أمنع الحزن من السيطرة على قلبي ولكنني عجزت تماماً، وحين حاولت الاستعانة بالعبادات وجدت همتي ضعيفة؛ فلا أنا قادر على قيام الليل، ولا أستطيع المواظبة على أذكار الأسحار، وبات قلبي منكسراً وأشعر بالخجل والوحشة من الله، فهل لي من حل أو طريق آخر يجبر كسري ويرفع عني هذا الضيق وينقلني من هذا العجز إلى مقام الرضا بمشيئة الله تعالى؟"

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن ما تشكوه من العجز التام عن الصبر، وضعف همتك عن مجاهدة النفس بالقيام والأوراد عند اشتداد الشدائد، هو حال يعرض للسالك حين تثقل عليه الوجيعة وتشتد المحنة؛ ولكن رحمة الله تعالى أوسع من عجزك، ومدد الشريعة الغراء لا يترك المكلوم دون جبر وإعانة.
وقد بين فضيلة الشيخ جابر بغدادي أن الشرع الحكيم قد وضع للعباد في مثل هذه الحال مراتب للترقي ومخارج للرحمة؛ فإذا استنفدت طاقة البشرية ولم تقو على عزائم الأمور، فإن الحل كامن في الاستمداد من الصلاة على المصطفى والتحقق بسر "المعية الإلهية الخاصة".
أما الخطوة الأولى في علاج هذا العجز، يا ولدي، فهي إذا لم تقو على الصبر، ولم تستطع قيام الليل، ولم تتيسر لك أذكار السحر، أن تفزع إلى الإكثار من الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ؛ فإن الصلاة عليه هي جسر الإمداد ومفتاح الفتوحات الربانية التي تأتي منها المعارك الروحانية وتفتح بها بروج السماوات للمكروبين.
وقد أشار الشيخ إلى دقة النظم القرآني في ربط سورة النحل بسورة الإسراء؛ حيث يختم سبحانه سورة النحل ببيان فضل الصبر بالله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، ويفتتح السورة التي تليها مباشرة بمعراج التكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾؛ ليعلمنا أن الصبر هنا هو الإسراء الحقيقي، وهو المعراج الروحاني للقلب.
فإذا شق عليك هذا الصبر، فاجعل سيرة المصطفى وشمائله نصب عينيك قدوة وملاذا، وتذكر حلمه ورحمته يوم أحد حين كان يمسح الدم عن وجهه الشريف شفقا على قومه ويقول كما أخرجه الطبراني وأثبته القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ، إمام المالكية ومحدث المغرب) في الشفا: «أخشى أن تسقط قطرة من دمي على الأرض فيعاجلهم الله بها»، وهو المعنى الذي يوافقه حديث البخاري (رقم ٣٤٧٧) في مسحه الدم عن وجهه وقوله: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».
فالتأسي بهذه الرحمة المحمدية يمد القلوب الضعيفة بطاقة الصبر والاحتمال.
وأما الخطوة الثانية والعزاء الأكبر لقلبك المنكسر، يا ولدي، فهو إذا قلت بلسان العجز الصادق: مانيش قادر أصبر ولا قادر على إبعاد الحزن ولا أستطيع الإتيان بهذه الطاعات! أن تتلقى العزاء الإلهي والمدد الرباني الذي يعزيك ويواسيك في ختام سورة النحل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا * وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾، ثم يعقبها بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾؛ فكأن المولى سبحانه يقول لك جبرا لكسرك: إن عجزت عن الصبر فليعزك ويطمئن فؤادك أننا معك بالمعية الخاصة! فانظر إلى هذا التدرج العظيم؛ ففي مقام القوة قال آمرا: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، فلما اشتد البلاء وظهر عجز العبد، تنزلت رحمة المعية: ﴿فَإِنَّكَ مَعَنَا﴾؛ وهو تأصيل سلوكي رصين يوافق ما ذكره الإمام أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ، حجة الإسلام ومحيي علوم الدين) من أن الاضطرار والعجز والافتقار إلى الله هو أسرع طريق لنيل العناية والمدد.
واعلم يا ولدي أن التقوى هنا هي حفظ الظاهر من المخالفات، والإحسان هو إتقان التوجه واستشعار المراقبة؛ فمن تحقق بهما نال معية التأييد التي تجبر ضعفه.
وأما كمال الرضا الذي يغنيك عن كل شيء، فهو أن يستقر في يقينك العقائدي أن الله تعالى يعلم ما بك من الضر، وأنه مطلع على بلواك، ورأى الظالم وهو يظلمك.
إن علمك بأن الله يراك، وعلمك بأنك في معية الله، وعلمك بأن الله محيط بمصيبتك، هو السر العظيم الذي يغلبك على سخطك، ويوزعك الاكتفاء بمشيئة الله تعالى وتسليما لقضائه، استنادا لما رواه مسلم في صحيحه (رقم ٣٤) عن رسول الله : «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا».
فهذا التسليم والمشيئة هو الذي يرقى بالعبد من بين سائر النجوم ليتحقق بصفاء العبودية في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾.

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

ملف صوتي مرفق

استمع إلى إجابة: العجز عن الصبر وضعف الهمة عن قيام الليل والذكر: كيف أنال الفرج وأصل إلى الرضا بقضاء الله؟

0:000:00