الأخلاقسؤال من أحد المحبين
السؤال
صراع القلب بين نيران الانتقام وأخلاق أهل الإحسان
يا سيدي، لقد رُميت في حياتي بظالم وفاسق أنزل بي أشد الأذى، وتغلي في صدري نيران الانتقام، وتحدثني نفسي بأن أرد له الصاع صاعين، متعللا بالمقالة الدارجة بيننا 'البادي أظلم'. أجد مشقة بالغة في كبح جماح غضبي، فكيف أرتقي بقلبي المكلوم لأتذوق حلاوة العفو، وكيف أتعامل مع من آذاني دون أن أشعر بالمهانة أو الضعف؟
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن هذا المسلك الذي تحدثك به نفسك، وتلك الحجة الواهية 'البادي أظلم'، ليسا من أخلاق أهل الإحسان في شيء؛ فإن أهل الإحسان، الذين أشرقت بصائرهم بنور اليقين، يدركون تمام الإدراك أن كرم الكريم إنما يتجلى في تمامه وكماله عند مقابلة السيئات بالحسنات. ليس من شيم السائرين في طريق الله أن يُعادوا من عاداهم بمثل عداوته، ولا أن يظلموا من ظلمهم، ولا أن يؤذوا جارا آذاهم بمثل ما اقترف؛ فهذا الصنيع يتنافى قطعا مع خُلق الإسلام الرفيع، وما كان سيدنا رسول الله ﷺ على هذا النحو أبدا. ألم تتأمل يا ولدي قول الحق تبارك وتعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾؟ فليكن عملك دائما على شاكلة النور، ولا تنحدر لتكون على شاكلة الظلمة. انظر بعين بصيرتك إلى الحبيب المصطفى ﷺ، وهو يجود بجلبابه الشريف ليكفن فيه 'عبد الله بن أبي بن سلول'، رجلا كان رأسا في النفاق وسببا في إيذاء المسلمين. بل وتأمل كمال الرحمة حين قيل إن النبي ﷺ قد أهدر دم هذا المنافق، فهبّ ابنه الصالح، الصحابي الجليل، وقال لرسول الله ﷺ: 'إن كنت لا محالة مهدرًا دمه، فدعني أنا أتولى قتله، لئلا تقع عيني على قاتل أبي، فتأخذني الحمية فأقتله، فأكون قد قتلت مؤمنا بمنافق'. فماذا كان رد الحبيب المصطفى ﷺ؟ لقد أجابه بمنطق الرحمة المهداة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية في (صحيح البخاري وصحيح مسلم): «إنا لسنا بقتالين»، وعلل ذلك بقوله: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه». لقد آثر المصطفى ﷺ أن يُبقي على كرمه، إكراما لخاطر الابن الصالح، وتجليا لرحمة النبوة التي وسعت كل شيء. ولنا في كتاب الله آية تُتلى تؤصل لهذا المعنى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. وحين مضى سيدنا النبي ﷺ ليستغفر لهذا المنافق بناء على طلب ابنه، وليصلي عليه، هبّ سيدنا عمر بن الخطاب (المتوفى سنة 23 هـ، ثاني الخلفاء الراشدين ومُلهم الأمة والفاروق الذي فرّق الله به بين الحق والباطل) واقفا في مقام الغيرة الشرعية، وقال: 'يا رسول الله، هذا إنسان منافق، وإن الله قد نهاك أن تستغفر له!'. فأجابه الحبيب ﷺ بصدره الواسع المحمدي: «إن الله خيرني، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غُفر له لزدت» (أخرجه البخاري ومسلم). تأمل يا ولدي، أين وقف العدد؟ ومع من؟ مع من يخالفنا الرأي ويناصبنا العداء. ولكن في هذا الموقف المهيب، صادفت الغيرة الإلهية الغيرة العمرية على الجناب النبوي وعلى حرمة الدين، فنزل قول الحق مصدقا لعمر: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾، ليكون في هذا المشهد العظيم درسان لا يُنسيان: درس محمدي في السماحة والرحمة البالغة، ودرس عُمري في الغيرة على رسول الله ﷺ وعلى دين الله. فلا تجعل حظ نفسك يقودك للانتقام، بل اجعل عفوك لله، متأسيا برسول الله ﷺ.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (وصفة نبوية لراحة كل قلب مظلوم)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الافتقار إلى الله وأسرار العطاء الرباني في دفع الإساءة)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه العفو وأسرار التشريع: قراءة فقهية في أخلاق أهل الإحسان لدفع الإساءة)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (مقامات الإحسان وانكسار النفس: أسرار التزكية في دفع الإساءة)التزكية والتصوف
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (التوثيق العلمي لدرس وصفة نبوية لراحة كل قلب مظلوم)التوثيق العلمي
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (عقبة الكبرياء ووهم المكانة في طريق العفو)الأسئلة
