Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
التزكيةسؤال من أحد المحبين

السؤال

آفة حب الظهور والتسرع في الإجابة: كيف أتربى على أدب التلقي والستر؟

أنا طالب علم، منَّ الله عليّ بحفظ القرآن وشيء من الفقه، لكنني أجد في نفسي آفة خطيرة؛ وهي المسارعة في الإجابة، وحب الظهور، ورغبة عارمة في استعراض ما أعرف أمام الناس وفي المجالس.
أخشى على قلبي من العُجب والكبر الذي يهلك العمل، فكيف أتربى على أدب التلقي؟ وكيف أعرف متى أتكلم ومتى أصمت؟ دلني يا سيدي على طهارة الصدر من هذه الرعونات.

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن آفة حب الظهور واستعراض العلم من أخطر أمراض القلوب التي تقطع السالك عن ربه، وتورثه العُجب الذي يحبط الأعمال الصالحة.
وإن دواء هذه الرعونة النفسية لا يكون إلا بصحبة المربين، والتأدب بأدب حضرة سيد المرسلين ، واقتفاء أثر الصحابة الكرام في تواضعهم وافتقارهم.
تأمل يا ولدي هذا المشهد النوراني الذي ساقه فضيلة الدكتور جابر بغدادي، حيث يجلس المعلم الأكبر ليختبر تلميذه وصاحبه الجليل سيدنا أُبي بن كعب (المتوفى سنة 22 هـ، سيد القراء وحبر الأمة)، قائلاً له: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
هنا تتجلى عبقرية السلوك ومقام الافتقار؛ فلم تستفز نشوة المعرفة هذا الصحابي، ولم يسارع بإظهار علمه المكنون، بل خفض جناح ذلّه وقال متأدباً: 'الله ورسوله أعلم'.
وهنا يضع الدكتور جابر يده على الجرح متسائلاً بلسان المحب: 'يا سيدنا أُبيّ، لماذا لم تجب على الفور؟' ويجيب بلسان حال العارفين: 'وكيف لا أتشرف بمقام (الله أعلم) بين يدي النبي ؟'.
إنه الأدب يا ولدي، الأدب الذي يجعل طالب العلم يستحي أن يتقدم بين يدي معلمه.
فلما كرر النبي عليه السؤال ثانية، أدرك أُبيّ أن مقام الأدب والانتظار قد استوفى حقه، وأن وقت الامتثال والأمر قد حان، فنطق بيقين المحب بآية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
وما كان من الحبيب المصطفى إلا أن كافأ هذا الأدب بفعل يفيض بالمدد؛ إذ ضرب بيده الشريفة في صدر أبي المنذر.
يوضح الشيخ جابر أن هذه الضربة هي إقرار ووسام رباني، كأن النبي يقول: 'نِعْمَ هذا الصدر الذي يحمل الستر، ويحرص على أدبه الكامل مع الوحي'.
ثم توج هذا المقام بقوله: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ».
وهنا يشرح فضيلة الشيخ جابر أسباب هذه التهنئة المحمدية العظيمة؛ فالنبي يهنئه ليس فقط لأنه عرف الجواب الصائب، بل يهنئه على انكساره أولاً، وعلى عدم مسارعته بالإجابة، وعلى بلوغه المبلغ الكامل من العلم المقرون بالتزكية.
هذا العلم الكامل هو الذي أثمر تلك القاعدة الذهبية التي سطرها العارفون: 'ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال جاء أوانه، وليس كل ما جاء أوانه حضر أهله'.
فيا ولدي، الزم هذا الأدب، وتذكر قول الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، قطب العارفين وركن الطريقة الشاذلية): 'ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه'.
اجعل صدرك وعاءً للستر، ولا تتحدث إلا إذا كان في الكلام نفع للمسلمين وضرورة شرعية، واعلم أن العلم نور يقذفه الله في القلب، فلا تطفئه برياح الكبر وحب التصدر، بل احرص على أن تكون من أهل السر الذين صفت سرائرهم، فاستحقوا تهنئة المعلم الأكبر .

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.