Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

أسرار التوحيد الأعظم في آية الكرسي: عقيدة التنزيه ومقام النبوة

يصحبنا فضيلة الدكتور جابر بغدادي في رحلة إيمانية عميقة لنستخرج الجواهر العقدية من حوار الحبيب المصطفى ﷺ مع سيدنا أُبي بن كعب، متأملين في تجليات التوحيد الخالص في آية الكرسي، ومقام "الحي القيوم"، مع بيان العقيدة السليمة في أدب الصحابة تجاه مقام النبوة، وفهم أسرار الاعتقاد التي تحفظ القلوب من الزلل.

إشراقة التوحيد الخالص في تاج القرآن يا ولدي، إن وقوفنا أمام هذا المشهد النبوي الجليل الذي يجمع الحبيب المصطفى بسيدنا أُبي بن كعب ⁽¹⁾ (ت : ٢٢ هـ) (سيد القراء وحبر الأمة في زمانه)، ليس مجرد استعراض لقصة من السيرة، بل هو غوص في أعمق بحار العقيدة الإسلامية وأجلّ معانيها.
حين يسأل النبي : «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» ⁽²⁾، فإن هذا السؤال هو مفتاح لاستخراج أغلى جوهرة في تاج العقيدة، وهي إفراد الله جل جلاله بالوحدانية المطلقة.
لقد أدرك سيدنا أُبيّ ببصيرته الإيمانية الصافية أن أعظم آية لا بد وأن تكون الآية التي لخصت العقيدة، وجردت التوحيد من كل شائبة، ونزهت الخالق عن كل نقص، فكان الجواب اليقيني: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ⁽³⁾.
إن هذه الآية العظيمة، آية الكرسي، لم تنل هذه العظمة إلا لأنها أسست لبنيان العقيدة الصحيحة؛ فهي تنفي ابتداءً أي شريك أو ند لله جل جلاله، وتقرر استحقاقه وحده للعبادة، وتثبت له صفات الكمال المطلق.
تجليات صفتي "الحي القيوم" وحراسة اليقين وهنا يا ولدي يجب أن نتوقف وقفة عقدية دقيقة عند قوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
فالله سبحانه وتعالى هو "الحي" ذو الحياة الكاملة الأزلية الأبدية التي لم تُسبق بعدم ولا يلحقها زوال، وهو "القيوم"، أي القائم بنفسه، والمُقيم لغيره، فلا قوام لشيء في السماوات ولا في الأرض إلا بأمره وحفظه ومدده.
ولكن احذر يا ولدي من مزالق الفهوم؛ فبينما نُقر عقائدياً بأن الله هو القيوم المدبر لكل ذرة في الكون، وأن كل حركة وسكون بيده سبحانه، فإن هذا لا يعني أبداً الركون إلى العقيدة "الجبرية" الفاسدة التي تسلب الإنسان إرادته وتدفعه للتواكل بحجة أن الأمر كله مقدور.
إن عقيدة أهل السنة والجماعة توجب علينا أن نعتقد يقيناً أن الفضل كله لله، وأن الحول والطول بيده وحده، ولكنه سبحانه شرع الأسباب وأمرنا بالأخذ بها تعبداً.
فالمؤمن الموحد يعمل ويجتهد، لكن قلبه لا يتعلق بالسبب، بل يتعلق بـ "القيوم" مسبب الأسباب.
إن شهودك لقيومية الله يورثك الطمأنينة الكاملة والتوكل الصادق، دون أن يسلبك مسؤولية التكليف والسعي في عمارة الأرض.
عقيدة الأدب مع مقام النبوة ومصادر التلقي دعنا ننتقل يا ولدي إلى لمح عقدي آخر في غاية الدقة، تجلى في إجابة سيدنا أُبيّ الأولى حين سأله النبي فكرر عليه السؤال، فقال متأدباً: "الله ورسوله أعلم".
إن هذه الكلمة ليست مجرد تهرب من الإجابة، بل هي إرساء لعقيدة الأدب مع رسول الله ، واعتراف بمقام النبوة ومصدرية التلقي.
لقد أراد أن يصدح بعقيدة مفادها: "كيف لا أتشرف بمقام 'الله أعلم' بين يدي النبي؟".
وهنا نضع التدبير الاحترازي الواجب لحراسة العقيدة؛ فقد يطيش عقل جاهل أو متشدد فيظن أن قول الصحابي "الله ورسوله أعلم" فيه مساواة لعلم النبي بعلم الله المطلق، وهذا فهم باطل وافتراء.
إن علم الله سبحانه علم ذاتي أزلي محيط بكل شيء، لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان، بينما علم النبي هو علم "موهوب" علّمه إياه ربه جل جلاله، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ⁽⁴⁾.
فحين يقول الصحابي "الله ورسوله أعلم" في أمور الشريعة والوحي، فهو يعتقد اعتقاداً جازماً أن علم النبي مُستمد من إعلام الله له.إنها عقيدة تعظم النبي بما عظمه به ربه، دون إفراط يخرجه عن بشريته وعبوديته لله، ودون تفريط ينكر مقامه الذي اختصه الله به كواسطة عظمى في تبليغ الدين.
التثبيت العقدي في الصدور ومراتب البوح فلما نطق أُبيّ بآية الكرسي، جاء الفعل النبوي العميق: أن يضربه في صدره ⁽⁵⁾، وكأنه يقول: "هذا هو الصدر الذي يحمل الستر، ويحرص على أدبه مع الوحي".
وقال له: «لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ».
هذه الضربة يا ولدي ليست مجرد حركة عابرة، بل هي في ميزان العقيدة "تثبيت لليقين".
فالعقيدة لا تُؤخذ فقط من جفاف السطور، بل تُتلقى بالصدور الصافية، والقلوب الموصولة بأنوار النبوة.
كأن النبي يهنئه لأنه عرف أن آية الكرسي هي الأعظم، ولأنه قال "الله أعلم" أولاً، ولأنه لم يسارع بالإجابة حتى استوفى مقام الأدب.
لقد بلغ أُبيّ المبلغ الكامل من العلم العقدي، ذلك العلم الذي أدرك قاعدة ذهبية في حراسة العقائد: "ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال جاء أوانه، وليس كل ما جاء أوانه حضر أهله" ⁽⁶⁾.
في باب العقيدة، هناك أصول ومحكمات يجب أن تُبذل للعامة ليعرفوا ربهم، وهناك أسرار في أسماء الله وصفاته، ودقائق في أفعاله وحكمته، لا تحتملها كل العقول.
إن تنزيل المعارف منازلها هو صميم العقيدة السليمة، لحفظ عقول العوام من الفتنة في دقائق التوحيد وأسرار القدر.
هكذا ربى النبي أصحابه؛ لتظل صدورهم أوعية تحمل الستر، وتحفظ سر التوحيد الأعظم في القرآن الكريم.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي