بقلم: الشيخ جابر بغدادي
السر الأعظم في القرآن الكريم: أدب الصحابة ومقام آية الكرسي
السر الأعظم في القرآن الكريم: أدب الصحابة ومقام آية الكرسي
إشراقة السؤال النبوي في رحاب القرآن تأمل يا ولدي هذا المشهد النوراني المهيب، حين التفت الحبيب المصطفى ﷺ إلى الصحابي الجليل سيدنا أُبيّ بن كعب ⁽¹⁾ (ت: ٢٢ هـ، سيد القراء وأحد كُتّاب الوحي المبرزين)، يسأله سؤال العارف الذي يختبر سرائر أصحابه، ويستخرج جواهر علومهم ومكنون فقههم، قائلاً: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» ⁽²⁾. فما كان من سيدنا أُبيّ أمام هذا السؤال الإلهي المبنى والنبوي المعنى، إلا أن تذلل في محراب الأدب، وخفض جناح روحه، مجيباً بتسليم المحب المفتقر: 'الله ورسوله أعلم'. بيد أن الحبيب ﷺ كرر عليه السؤال ثانية، ليستحث همته، ويوقظ بصيرته، قائلاً: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟». وهنا، وبعد أن استوفى حق الأدب في الابتداء، نطق بالسر الأنور الذي يحمله في قلبه، فقال يققيناً: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ⁽³⁾، قاصداً بذلك آية الكرسي العظيمة. أدب الصحابة في حضرة الوحي والمربّي ولنا هنا يا ولدي أن نقف وقفة المتأمل الغواص في بحار المعاني؛ فما الذي منع سيدنا أُبيّاً من المبادرة بالإجابة فوراً في المرة الأولى؟ هل خفي عليه الجواب؟ حاشا لله. إنما هو الأدب العالي مع رسول الله ﷺ. فقد استحيا أن يتقدم بين يدي معلمه ومربيه، وكأنه يقول بلسان الحال: "وكيف لا أتشرف بمقام 'الله ورسوله أعلم' بين يديك يا رسول الله؟ وكيف لي أن أُظهر علماً في حضرتك وأنت مدينة العلم ومعدن السر؟". لقد آثر أن يلبس حلة الافتقار، وأن يرد الفضل لأهله، فكان جوابه الأول: 'الله ورسوله أعلم'، إجلالاً للمقام المحمدي وحفظاً لأدب التلقي. اللمسة المحمدية وتهنئة العلم فلما أجاب أُبيّ في المرة الثانية بآية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، ماذا فعل سيدنا رسول الله ﷺ؟ وهنا يتجلى العطاء النبوي والمدد الروحاني؛ إذ امتدت اليد الشريفة لتضرب برفق ومحبة على صدر أبي المنذر ⁽⁴⁾. ولم تكن هذه الضربة النبوية إلا ختماً للموافقة، وإشارة روحية عميقة، كأنما يقول له ﷺ: "نِعْمَ هذا الصدر الذي يحمل الستر، ويحفظ أنوار التنزيل، ويحرص على الأدب الكامل مع كلام الله عز وجل". ثم بشره وأقر عينه قائلاً: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» ⁽⁵⁾. لقد كان هذا الدعاء النبوي تهنئة ربانية متكاملة؛ فهو ﷺ يهنئه لأنه أدرك ببصيرته الصافية أن آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله، ويهنئه على أدبه الجم وذوقه الرفيع حين بدأ بقوله: 'الله ورسوله أعلم'، ويهنئه على تريثه وعدم مسارعته بالتصدر والإجابة من الوهلة الأولى. إنها تهنئة لمن بلغ في دروب المعرفة غايتها، ورسخت قدمه في الجمع بين جلال العلم وجمال الأدب. كمال العلم ومراتب المعرفة والبوح إن هذه التهنئة النبوية الشريفة تؤكد أن سيدنا أُبيّاً قد بلغ المبلغ الكامل من العلم النافع، ذلك العلم الذي يورث الخشية، ويعرف مقادير الأمور. لقد تجسدت فيه مقولة العارفين الصادقة وميزان حكمتهم: 'ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال جاء أوانه، وليس كل ما جاء أوانه حضر أهله' ⁽⁶⁾. فالعلم يا ولدي ليس مجرد استحضار للنصوص وحسب، بل هو نور يقذفه الله في القلب، يتبعه أدب في التلقي، وحكمة في البذل وإعطاء كل ذي حق حقه. لقد عرف أُبيّ السر، لكنه انتظر الأوان المناسب، وتأدب في الحضرة المحمدية، فاستحق أن يكون من أهل هذا السر العظيم، وأن ينال وسام التهنئة الخالدة من خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ، لتظل قصته نبراساً لكل سالك على طريق الله يبتغي العلم المشفوع بالأدب.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار التوحيد الأعظم في آية الكرسي: عقيدة التنزيه ومقام النبوة)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه الأولويات وأدب التلقي: أسرار الشريعة في حديث آية الكرسي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار الأدب المحمدي في طريق التزكية: تأملات سلوكية في حديث آية الكرسي)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (السر الأعظم في القرآن ومقامات الأدب في حضرة النبي ﷺ)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (آفة حب الظهور والتسرع في الإجابة: كيف أتربى على أدب التلقي والستر؟)الأسئلة
