Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

فقه الأولويات وأدب التلقي: أسرار الشريعة في حديث آية الكرسي

جولة فقهية وروحانية عميقة مع فضيلة الدكتور جابر بغدادي، نستلهم فيها فقه الأدب النبوي، والأحكام الشرعية في التفاضل بين آيات القرآن، وفقه العالم والمتعلم من خلال حوار الحبيب المصطفى ﷺ مع سيدنا أُبي بن كعب، لنقف على دقة الفهم الشرعي ومراعاة أحوال المخاطبين في الشريعة الإسلامية.

فقه الأدب النبوي في مقام التعلم والفتوى تأمل يا ولدي هذا المشهد العظيم الذي يفيض بأسرار الفقه وأحكامه، حين التفت الحبيب المصطفى إلى الصحابي الجليل سيدنا أُبيّ بن كعب ⁽¹⁾ (ت : ٢٢ هـ) (سيد القراء وحبر الأمة في زمانه)، يسأله سؤال المعلم الذي يختبر فقه تلميذه: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» ⁽²⁾.
هنا تتجلى أولى القواعد الفقهية في أدب العالم والمتعلم؛ فلم يُسارع سيدنا أُبيّ بالإجابة، رغم أنه يحفظ القرآن ويفهم معانيه، بل قال متأدباً: "الله ورسوله أعلم".
إن هذا الرد ليس جهلاً بالجواب، بل هو تطبيق عملي لقاعدة فقهية رفيعة مفادها أن التلميذ لا يتصدر للفتوى أو الإجابة في حضرة معلمه الأكبر إلا بعد الإذن والاستحثاث.
لقد فقه أُبيّ أن مقام النبوة يقتضي التسليم، فكيف له أن يتقدم بين يدي رسول الله ؟ فلما كرر النبي السؤال، أدرك الصحابي الفَقِيه أن الأمر قد انتقل من مقام الأدب والانتظار إلى مقام الوجوب والامتثال، فأجاب فوراً: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ⁽³⁾.
وهذا يعلمنا في فقه الفتوى أن المفتي أو طالب العلم يجب أن يتواضع وألا يُظهر علمه رياءً، وأن يقول "لا أدري" أو يرد العلم إلى أهله فيما يشتبه عليه، أو تأدباً في حضرة من هو أعلم منه.
الحكم الشرعي في تفاضل آيات القرآن الكريم وعند إجابة سيدنا أُبيّ بأن آية الكرسي هي أعظم آية، وإقرار النبي له، نقف أمام مسألة فقهية وعقدية كبرى بحثها الأئمة: هل يجوز القول بأن بعض أجزاء القرآن أفضل من بعض؟ والجواب الشافي الذي يقرره هذا الحديث هو نعم، يجوز التفاضل بين الآيات والسور باعتبار المعنى والموضوع، لا باعتبار القائل؛ فكلام الله من حيث صدوره عن الذات الإلهية واحد لا تفاضل فيه، ولكن التفاضل يقع في المعاني التي تضمنتها الآيات.
وقد نص أئمة الفقه والحديث، ومنهم الإمام النووي ⁽⁴⁾ (ت : ٦٧٦ هـ) (محيي الدين وعمدة المذهب الشافعي)، على أن آية الكرسي فضُلت لِما احتوت عليه من أسماء الله الحسنى، وإثبات وحدانيته، وتنزيهه عن النقائص، بخلاف الآيات التي تتحدث عن الأحكام الفقهية العملية أو قصص الأمم السابقة.
ففقه هذه المسألة يرشدنا إلى أولوية التوحيد وأصول الدين؛ ولذلك سُميت آية الكرسي بـ "أعظم آية"، وأوصت الشريعة بقراءتها دبر كل صلاة مكتوبة لتجديد هذا العهد الإيماني.
فقه الإقرار والتهنئة في التربية النبوية فلما نطق أُبيّ بالجواب الصحيح، ماذا فعل سيدنا رسول الله ؟ لقد ضرب في صدره بيده الشريفة، وقال: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ».
وهذا الفعل النبوي يشرع لنا أصلاً في فقه التربية والتعليم؛ وهو جواز استخدام التوجيه الجسدي اللطيف لإيقاظ الانتباه أو نقل السكينة، فالضربة هنا لم تكن للتوبيخ، بل كانت ضربة إمداد وإقرار لتثبيت الفقه في القلب.
كأنه يقول: هذا هو الصدر الذي وعى الفقه الصحيح، وحفظ مقاصد الشريعة.
والتهنئة بالعلم هنا سُنة نبوية؛ فمن الفقه أن يُثني المعلم على تلميذه إذا أصاب، وأن يشجعه ويبشره، ليكون ذلك دافعاً له للمزيد من الاجتهاد في طلب أحكام الشرع الحنيف.
لقد هنأه النبي لأنه جمع بين فقه النص (معرفة أعظم آية) وفقه الحال (الأدب في عدم المسارعة بالإجابة).
فقه الأولويات وضوابط كتمان العلم وبذله ثم يأتي التوجيه الأعمق الذي استنبطه فضيلة الشيخ جابر من هذا الموقف، وهو القاعدة الذهبية: "ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال جاء أوانه، وليس كل ما جاء أوانه حضر أهله".
هذه القاعدة هي صميم "فقه الأولويات" و"فقه الخطاب" في الشريعة الإسلامية.
ولكن احذر يا ولدي؛ فهنا يجب أن نتخذ تدبيراً احترازياً دقيقاً حتى لا ينحرف الفهم.
إن مقولة "ليس كل ما يُعرف يُقال" لا تعني إطلاقاً إقراراً بكتمان العلم الشرعي الواجب، أو إخفاء أحكام الحلال والحرام عن الناس، فكتمان العلم الواجب إثمه عظيم، وقد توعد الله فاعله.
بل المقصود الفقهي هنا هو مراعاة "مآلات الأفعال" ومخاطبة الناس بما تطيقه عقولهم وتحتمله أفهامهم، خاصة في دقائق المسائل وأسرار الحكم.
وقد أصل لهذا المعنى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ⁽⁵⁾ (ت : ٤٠ هـ) بقوله: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ»، وأكد عليه الإمام الغزالي ⁽⁶⁾ (ت : ٥٠٥ هـ) (حجة الإسلام) في ضبطه لنشر دقائق العلم.
فالعالم الفَقِيه هو الذي يزن كلامه بميزان الشريعة؛ فيعطي العوام من الفقه ما يقيم عباداتهم ويصلح أخلاقهم، ويحتفظ ببعض المعارف الدقيقة والرقائق العميقة لمن بلغوا في العلم والتربية مبلغاً يؤهلهم لاستيعابها دون أن تُفتن عقولهم.
هكذا أدرك سيدنا أُبيّ أوان الكلام وأوان الصمت، فاستحق تهنئة المعلم الأكبر ، لتظل هذه القصة دستوراً فقهياً وروحانياً لكل طالب علم وسالك طريق.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي