بقلم: الشيخ جابر بغدادي
سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار: كلمات شافية للقلوب الموجوعة للدكتور جابر بغدادي
سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار: كلمات شافية للقلوب الموجوعة للدكتور جابر بغدادي
علينا يا ولدي أن نُعمِل الجوارح في السعي، وليس لنا أبداً أن نُحصي ثمار النتائج. إنك، مهما بلغت بكامِل نيتك، وتأججت بكامِل همتك، لا تملك أن تُبدل وجه الواقع الكوني؛ فلقد قرر الإمام العارف بالله تاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري، قطب العارفين وترجمان الواصلين (المتوفى سنة 709 هـ) في حِكمه الربانية قائلاً: "سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار"⁽¹⁾.
فمن الهمم العَلِيَّة يا ولدي، همة نبي الله يعقوب عليه السلام؛ أليس هو النبي المُجاب الدعوة؟ بلى، لقد دعا، وتدثر بالحزن، وتضرع وتبتل في محراب مناجاته، ولكن الله جل جلاله أجابه في الميقات الذي يريده سبحانه. لنا أن نتساءل: ألم يكن حزن يعقوب على فراق ولده يوسف من أعظم الهمم العلية؟ بيد أن همة يوسف كنبي، وهمة جبريل عليه السلام، لا تستطيع أي همة في الوجود أن تعطل أمراً مفعولاً قضاه الله. انظر يا ولدي إلى تسليم يوسف حين انكشف له الحجاب عن قضاء الله، فقال مناجياً أباه ومُذكراً إياه بأن الأمر كله مقدور: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾⁽²⁾.
يا له من جمال يتجلى في خُطى الأنبياء حين يفهم القلب، وحين ترى البصيرة، فينطلق اللسان ليُترجم عن خالص التسليم لله، ناطقاً بيقين: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾⁽³⁾، ليُقيم بذلك في أرفع مقامات الرضا والتسليم لمراد الله جل جلاله. والأمر الأجمل من ذلك يا ولدي، ألم يشتق يوسف إلى أبيه يعقوب؟ ألم تكن ليوسف همة يناجي بها ربه بلسان حاله قائلاً: "يا رب ردني إلى يعقوب"⁽⁴⁾؟ إنما فعل الله ذلك لعلّه يُثبت فؤاد الولد، ويُثبت فؤاد الوالد، فتأدبا جميعاً في محراب التسليم لقضاء الخالق.
وفي صلح الحديبية، تتجلى حقيقة أن سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار بأبهى صورها. أليس سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صاحب الهمة العظمى؟ ألا يعقل أنه لو وقف عند الحديبية ورفع يديه متضرعاً: "اللهم افتح لي مكة"⁽⁵⁾ ليحصد الله المشركين وتبتلعهم الأرض، أكان يحدث ذلك أم لا؟ بلى، ولكنه من بديع حكمة الله أن يستنقذ من أصلابهم أجنة مؤمنة في بطون أمهاتها، ولعلّه أدبٌ منه صلى الله عليه وسلم مع البيت الحرام. ضع يا ولدي ألف "لعل"، لتعلم يقيناً أن المولى لطيف لما يشاء. فلما رجع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي طريق عودته إلى المدينة المنورة، تنزلت عليه سورة الفتح. لقد تنزلت في يوم ظاهره المنع، لا يوم المنح، تبشره بوعد قطعي: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾⁽⁶⁾. فلقد سُمي ذلك المنع الظاهري فتحاً مبيناً، مع أن الدخول إلى مكة لم يقع حينها بل تأجل لسنوات؛ ولنا أن نتساءل: لِمَ حدث ذلك؟ ليُعلمنا الله أن سوابق الهمم، مهما علت، لا تخرق أسوار الأقدار.
وتأمل يا ولدي قول الحق تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾⁽⁷⁾. إن هذا المني الظاهر أنه من صُنع جسدك، إنما هو آتٍ من عند الخالق جل وعلا من فوق سبع سماوات، فهل سابقة همتك وحدها هي التي تأتي بالولد؟ كلا لم تأتِ به. وانظر إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾⁽⁸⁾. لقد كانت همتك في البذر والحرث، إنما الإنبات من فضل الله وقدرته ومشيئته. إن الإنسان في تعاطيه للأسباب، لا تخرق همته أسوار الأقدار في الإنجاب أو الإنبات. وتدبر قوله سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾⁽⁹⁾. لقد تمثلت سوابق همتنا في أننا تضرعنا إلى الله، وصلينا صلاة الاستسقاء، واستفرغنا الجهد في كل الأسباب التي تكفل لنا العيش في رخاء وماء معين، ولكن الله جل جلاله قد نعصاه فيُنزل علينا المطر بفضله، وقد نطيعه فلا ينزله بحكمته. إذاً، الأسباب لا تخرق أسوار الأقدار، وما أُعطيت من أسباب يا ولدي، فتعامل معها بلسان العبودية لله، على ظن وعقيدة راسخة ويقين جازم بأن النتائج إنما هي من عند الله وحده.
لذا، غيّر من نفسك يا ولدي، وعليك أن تدرك بعين بصيرتك أنك لا تستطيع تغيير الواقع الكوني، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾⁽¹⁰⁾. إنك لا تملك تغيير الكون، ولا إصلاح القدر، ولا ردّ ما قدره الله وقضاه فيك. ولكنك إذا طهرت نفسك وغيرتها، فإن الله الذي بيده مقادير ومقاليد السماوات والأرض، قد يقضي ويُجري عليك من لطائف بره ما يشاء. إن في هذه الحكمة تأديباً بالغاً لأصحاب الأسباب ليقبلوا صاغرين ما تفرزه النتائج، وتأديباً لأهل التجريد ليكون لهم في تركهم للأسباب عزاء.
إن هناك بوناً شاسعاً يا ولدي بين أن تدعو الله وترجوه، وبين أن تأمره. فقد جاء قوم إلى الإمام الزاهد الحسن البصري - وهو التابعي الجليل أبو سعيد الحَسَن بن أبي الحَسَن يَسار البَصْري، إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمانه، (المتوفى سنة 110 هـ) - فقالوا له: ما لنا ندعو فلا يُستجاب لنا؟ فأجابهم ببصيرته النافذة: "أنتم تدعون مَن لا تعرفون"⁽¹¹⁾. فأنتم حين تدعون ربكم كأنكم تأمرونه، ولهذا لا تجدون للإجابة أثراً. أما أهل الله وعارفوه، فإنهم يترجون مولاهم، وهم على يقين بأن الدعاء ما هو إلا سبب من الأسباب، لعل الله يلطف بهم فيعطف عليهم، فلا أمر لنا عليه سبحانه. فهذا المقام يُعلم العبد كيف يتأدب فيما أراده الله منه. فاجعل ديدنك يا ولدي: "اعبدوه ليرضى، لا تعبدوه ليعطي؛ فإن رضي أدهشكم بكامن العطاء"⁽¹²⁾.
🔗محتوى متعلق بهذا الفيديو
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة الإيمان بالقدر: كيف تتوافق إرادة العبد مع مشيئة الرب؟ (قراءة في درر الدكتور جابر بغدادي))العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (الشريعة الغراء وفقه الأخذ بالأسباب: بين العمل الواجب والاعتماد القلبي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار الرضا والتسليم في محراب الأقدار)التزكية والتصوف
