بقلم: ام محمد
خير زاد ليوم الميعاد
خير زاد ليوم الميعاد
الحمد لله رب العالمين، ذي الفضل المتين، الذي أفاض على قلوب العارفين من بحار أنواره، وألقى الروح من أمره على من يشاء من عباده الأبرار، ليستضيئوا من قبس نوره الذاتي، وكيف لا وهو الجواد الذي يختص برحمته من يشاء. لقد أعطاهم، وحادثهم، وأرسى قواعدهم، وأولاهم جميل العناية؛ حتى غدوا في محبة سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ هائمين غارقين. وأشهد أن لا إله إلا الله، الملك الحق المبين، لا معبود بحق في الوجود سواه، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً هو النور المبين؛ فقد جاءكم من الله نور ليكون سيد الأكوان الذي شرف بحلوله المكان والزمان. فوالله يا ولدي، ما للأزمان ولا للأماكن أدنى قيمة أو بهاء، إلا إذا أضيفت إليه، وتجلت بنوره، وتعطرت بذكراه ﷺ.
ولنا يا ولدي في صحابة رسول الله الكرام أسوة حسنة، فها هو الدكتور جابر بغدادي يصور لنا مشهداً جليلاً؛ إذ يقيم العارفون مجلساً ومحفلاً يحتفون فيه بنور النبي ﷺ، ليُذكرونا بذاك الأعرابي الذي جاء هائماً إلى حضرة النبي ﷺ يسأله بقلب وجل: يا رسول الله، متى الساعة؟ فأجابه المعلم الأعظم ﷺ بسؤال يوقظ البصائر: «وما أعددتَ لها؟»⁽¹⁾. فكأنه يقول له: يا هذا، ما شأنك أنت والقيامة؟ انظر إلى زادك. فأجابه الأعرابي إجابة أبلغت عن غاية الافتقار إلى الله، وأفصحت عن درجات المسكنة، قائلاً: «ما أعددتُ لها من كثير صلاة ولا صيام، غير أني أحب الله ورسوله»⁽¹⁾.
تأمل يا ولدي هذا الانكسار، كأن الأعرابي يعترف بضعفه وافتقاره، مبيناً أنه قد أتى يسأل عن خير زاد ليوم المعاد، ومقراً على نفسه بالتقصير؛ كأنه يقول: يا رسول الله، لو جئتك بصلاتي فهي مقطعة قد شابها السهو، ولو جئتك بصيامي فهو مدخول، وربما تلوثت أيدينا وجيوبنا بشوائب الدنيا ومكاسبها الزائفة الحرام، وما أنا من طراز فريد حتى أظن أنني سيد زماني، لكني لا أملك إلا قلباً صافياً، أدخل به على الله، قلبٌ ينبض بحبكم. فما كان من حضرة النبي ﷺ إلا أن ألقى عليه برد اليقين، وبشره بالبشرى العظمى قائلاً: «أنت مع من أحببت»⁽¹⁾.
يا ولدي، لعمري إن جسدي لينتفض وجداً وتقشعر جلودنا حين نسمع قول ربنا ومولانا على لسان نبيه، فليس هناك زاد ليوم الميعاد خير من محبته ﷺ. وهذا سر ما سطره أئمتنا الأعلام، فهذا الإمام نور الدين السمهودي (المتوفى سنة 911 هـ)، وهو مؤرخ المدينة المنورة ومفتيها، وصاحب التصانيف العظيمة، يقول في مقدمة كتابه النفيس "وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى"⁽²⁾ متحدثاً عن لوعة المشتاقين إلى تلك الديار، فينشد بلسان المحب الذي يغني ويفرح بالتغريد حنيناً وشوقاً إلى أوطانه الروحية، فيطرب لسماع ذكرها أرباب العقول، ويتساءل متعجباً: كيف يطيق الصبر من شاهد تلك البلاد المحمدية؟
ثم اعلم يا ولدي أن سر هذه المحبة ممتد ومحفوظ، فانظر بقلبك إلى بلاد الكنانة، مصر المحروسة ببركة السيدة زينب عليها السلام، فهي محفوظة بعناية الله، ولن تنال منها أيادي التطرف أو تمتد إليها معاول الهدم. لقد تأصلت في قلوب أهلها محبة آل البيت، فحتى حينما تعاقبت عليها الدول وحكمها الشيعة إبان الدولة الفاطمية، بقيت مصر أصيلة في حبها، وفية لانتمائها، لأن قلوب المحبين تدرك يقيناً أن ﴿المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون﴾⁽³⁾.
وإن كان القرآن الكريم هو الرحمة المسطورة، فإن سيدنا ومولانا محمداً ﷺ هو الراحة والرحمة المنشورة المبعوثة للعالمين؛ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾⁽⁴⁾. وهو ﷺ كما أشار العارفون والمحققون، السر المكنون في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾⁽⁵⁾، فما من شيء في الوجود إلا وهو مستمد من حضرة سيدنا النبي ﷺ.
وقد كان نبينا ﷺ يحب مداحيه ويكافئهم، فكان يجزيهم بالدعاء تارة، وبالعطاء تارة أخرى. اقرأ يا ولدي في صحائف النور لتجد سيدنا كعب بن زهير (المتوفى سنة 26 هـ)، الشاعر المخضرم والفحل من شعراء العرب، حين وقف بين يدي النبي ﷺ ينشد رائعته قائلاً: "إنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ"⁽⁶⁾ وهو الذي أنشد واثقاً من كرم المحبوب: "وَالعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُولُ"⁽⁶⁾. فما كان من حضرة المصطفى ﷺ، وهو الوجيه عند الله، إلا أن عفا عنه، بل وخلع عليه بردته وعباءته الشريفة، فكافأه وألبسه إياها كرامة وحباً.
وكذا كان صنيعه ﷺ مع سيدنا حسان بن ثابت الأنصاري (المتوفى سنة 54 هـ)، شاعر الرسول والمنافح عن شريعته، إذ نصب له النبي ﷺ منبراً في المسجد لينافح عنه ويمدحه، ودعا له بالمدد السماوي قائلاً: «اللهم أيده بروح القدس»⁽⁷⁾، فجعل جبريل عليه السلام يرافقه بالتأييد والنصرة والخير والثواب.
وهل ننسى يا ولدي تلك الفرحة الغامرة التي طارت بقلب سيدنا جعفر بن أبي طالب القرشي (المتوفى سنة 8 هـ)، الشهيد الطيار، حين نظر إليه النبي ﷺ وقال له موهبةً وتكرماً: «أشبهت خَلقي وخُلقي»⁽⁸⁾، فما كان من جعفر إلا أن انتفض ورقص طرباً وفرحاً بهذا الشرف العظيم في حضرة النبي ﷺ. فاجعل يا ولدي قلبك كقلوب هؤلاء، فإن المحبة الصادقة هي خير زاد ليوم الميعاد.
