بقلم: الشيخ جابر بغدادي
معجزة الضبّ الناطق: حين شَهِدَ الجماد بنبوة سيد الأنام ﷺ | الدكتور جابر بغدادي
معجزة الضبّ الناطق: حين شَهِدَ الجماد بنبوة سيد الأنام ﷺ | الدكتور جابر بغدادي
بين جدران النور ومقام المحبة
يقول الشاعر:
"أما تنظر الطير المقفص يا فتى؟ إذا عاين الأوطان حنّ إلى المغنى"
تأمّل، يا ولدي، في هذا الطير الحبيس بين قضبان قفصه؛ ما إن يلمح أفق أوطانه الأصيلة حتى يرفّ قلبه شوقًا، ويهفو روحه إلى ما ألفه من مرابع الحنين. تلك صورة من يعرف المحلَّ الذي ينتمي إليه، فيحنّ إليه حنينًا لا يُكبَت. فما بالك بمن وقف على عتبات الروضة النبوية الشريفة، وشاهد تلك الحيطان تفيض بالنور؟!
فكنت أقول:
"أتيتُ إلى روض النبيّ فهالني
نورٌ بدا من بُعده قبل قُربه
فقلتُ: إذا كان الجدارُ منوَّرًا
فما بالُ بطنِ الروض؟ ما بالُ مَن به؟
وما بالُ روضٍ ضمَّ نورَ محمدٍ ونورُ رسول الله من نور ربّه"
ذلكم هو حال المحبّين الصادقين حين يفدون إلى حضرة سيد الكونين ﷺ؛ يُدهشهم النور قبل أن تبلغ أقدامهم باب الروضة، فيقف قلب أحدهم مشدوهًا متساءلًا: إذا كان هذا نور الجدار، فكيف يكون نور مَن آوته تلك الجدران؟ وإذا كان سياج الروضة بهذا البهاء، فكيف يكون قدر من ضمّه ذلك الثرى؟ وتلك هي الحقيقة البيّنة: نور رسول الله ﷺ من نور الله، فلا عجب أن يشعّ ذلك النور في كل ما يمسّه أو يُحيط به.
صوت القلب حين يعجز البصر
ثمة وجد عميق يُحرّك القلوب الصادقة ويجعلها تنادي بلسان العارف:
"أملياني حديثَ مَن سكن الجزعَ ولا تكتباهُ إلا بدمعي
فاتني أن أرى الديار بعيني لعلّي أرى الديار بسمعي"
يا ولدي، ثمة قلوب لا تهدأ ولا تسكن، تحمل جمرة الشوق وتُعاني من لظى المحبة التي لا تنطفئ إلا بالقرب من حضرة النبي ﷺ. فمن لم يُسعفه حظه برؤية ديار الحبيب بعيونه، فلعل سمعه يحمل إليه عطر تلك الديار إن تلقّى الحديث عنها بقلب مفتوح. وهذا الحال يعبّر عنه الدكتور جابر بغدادي بقوله إن قلبه لا يجد راحته ولا يطمئن إلا حين يتوجّه بكل حواسه نحو نور النبي ﷺ، مستعيضًا بالسمع عمّا قد يعجز البصر عن إدراكه.
معجزة الضبّ الناطق: شاهد من الجماد على النبوة
الرجل الذي اشترط على الحقيقة
دخل رجلٌ على النبي ﷺ وفي يده ضبٌّ قد اصطاده، فدعاه النبي ﷺ إلى الإسلام وعرض عليه الحق عرضًا. غير أن ذلك الرجل أبى الإذعان بسهولة، وقال قولًا جريئًا يُصوّر حجم القسوة التي ران على قلبه: «لن أؤمن بك حتى يشهد لك هذا الضبّ!»
تأمّل، يا ولدي، في دقة هذا الموقف؛ فليس الأمر غيابَ دليل، بل هو عنادٌ مُصمَّم، وشرطٌ وُضع ليكون الرفض مُبرَّرًا لا ليكون الإيمان ممكنًا. فكأنه قال: لن أؤمن بك مهما جئتَ، لأن الضبّ لن يتكلم. وهكذا تكون القلوب المغلقة؛ تضع قيودًا من المستحيل ظنًّا منها أنها تسوّغ إعراضها عن الحق.
نداء النبي ﷺ للضبّ
فلمّا سمع النبي ﷺ هذا الاشتراط، لم يعبأ بالاستهزاء ولم يتحرج من الموقف، بل نادى الضبَّ بكل يقين ومهابة:
«يا ضبّ!»
فكان الجواب الذي أربك الرجل وأذهل العقول جميعها؛ ذلك الضبّ الذي لا يُعرف عنه أنه يتكلم، قال في الحال:
«لبَّيك وسعديك يا خير من وافى القيامة!» ⁽¹⁾
الضبّ أعلم بالنبي من صاحبه!
قف، يا ولدي، قليلًا مع هذا المشهد العجيب؛ فذلك الضبّ الصامت الذي لا نُسبة له في عالم البيان، حين أنطقه الله بين يدي خير البرية ﷺ، جاء جوابه مفعمًا بالمعرفة الكاملة بمقام النبي ﷺ. قال: «يا خير من وافى القيامة»! لم يقل مجرد "نعم"، بل أتى بشهادة في صميمها عرفانٌ بمقام النبي ﷺ في الآخرة، وتبجيلٌ يُغبط عليه أهل العقول!
والمفارقة المؤلمة التي يُسلّط عليها الدكتور جابر بغدادي الضوءَ هي أن هذا الضبّ عرف قدر النبي ﷺ، بينما الرجل الذي يحمله في يده لم يعرف! وهذه الصورة المؤلمة ليست غريبة عن زماننا؛ فكثير من المخلوقات الصامتة كأنها تعي بفطرتها الإلهية قدرَ سيد الأنام، في حين يُعرض كثير ممن أوتوا العقل والسمع والبصر عن هذا النور المبين. وما هذا إلا تصوير لحال الأمة في واقعنا المعاصر.
شهادة الضبّ العقدية: درس في التوحيد
من تعبد؟
لم يقتصر الحوار على مجرد إثبات النبوة، بل امتد إلى أعماق العقيدة. سأل النبي ﷺ الضبَّ:
«من تعبد؟»
فكان جواب الضبّ شاهدًا على صفاء الفطرة وعمق المعرفة؛ إذ قال:
«أعبد الذي في السماء عرشُه، وفي الأرض سلطانُه، وفي البحر سبيلُه، وفي الجنة نعيمُه، وفي النار عذابُه»⁽²⁾
انظر، يا ولدي، إلى هذا البيان البديع الذي نطق به ذلك الضبّ! لم يحصر ربَّه في مكان، بل وصف الله بما يتجلى في آثار أسمائه وصفاته في الكون كله. فعرشه في السماء عظمةً وعلوًّا، وسلطانه في الأرض قدرةً وتمكينًا، وسبيله في البحر هيمنةً وتصريفًا، ونعيمه في الجنة كرمًا وإحسانًا، وعذابه في النار عدلًا وقضاءً.
وهذه الإجابة العجيبة تنزّه الله سبحانه عن الحلول في مكان أو الاتجاه نحو جهة بعينها، وتُثبت لله ما يليق بجلاله من الكمال المطلق. يُنبّه الدكتور جابر بغدادي إلى دقة هذا البيان قائلًا: لا حلول ولا اتحاد ولا جهة ولا تنسيم في هذا الوصف الإلهي الجامع. فالضبّ — وهو مخلوق صامت عادةً — أتى بجواب لو سُئل عنه كثير من المتكلمين لعجزوا عن الإتيان بمثله في سلاسته وشموله.
ثم أسلم الرجل
يروي الإمام البيهقي⁽³⁾ في كتابه دلائل النبوة أن الرجل أسلم في نهاية المشهد. وهذه هي الغاية من كل معجزة نبوية؛ ليست الإدهاش لمجرد الإدهاش، بل هي هداية النفوس وإخراجها من ظلمات العناد إلى نور اليقين. فمراد النبي ﷺ من خلقه الهداية والرحمة. وكأن هذا الرجل احتاج أن يرى الجماد يُشهد على نبوة من أُرسل رحمةً للعالمين، فلما رأى آلَ إلى ما هو أعظم وأرسخ.
النبي ﷺ وآلام الغياب: صبر أولي العزم
يصف الدكتور جابر بغدادي ما كان يعتري النبي ﷺ من الحزن حين يرى إعراض قومه، حتى كاد يُهلك نفسه من الحسرة عليهم. وفي هذا يقول الله تعالى:
﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾⁽⁴⁾
فكان الله يواسي نبيّه ﷺ ويُذكّره بمن سبقه من الرسل العظام أهل العزم والثبات:
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾⁽⁵⁾
دروس من صبر سيدنا نوح عليه السلام
ولعل من أبلغ أمثلة الصبر الذي أشار إليه الله في قوله ﴿أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ذلك الصبر الأسطوري لسيدنا نوح عليه السلام، الذي مكث يدعو قومه تسعَمئة وخمسين سنة، كما أخبر القرآن الكريم:
﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾⁽⁶⁾
وبعد كل هذا العمر الممتد في الدعوة، لم يُؤمن من قومه إلا القليل. ومع ذلك لم يقل سيدنا نوح لربه: "نجّاني وخذهم!" بل نادى ربه في آخر أمره بعد أن أُعلمه أنه لا يؤمن من قومه أحد. وهذا الصبر العجيب هو ما يُذكّرنا به الدكتور جابر بغدادي حين يُصوّر شدة حرص النبي ﷺ على هداية الناس إلى حد أن الله نهاه عن إهلاك نفسه حسرةً عليهم.
نظرة النبي ﷺ التي تغرق العالمين في بحر العلوم
يقول سيدنا الإمام الرواس — من أئمة أهل القلوب والعرفان — في وصف عظمة النبي ﷺ:
"والله لو حضرتَ النبيَّ المصطفى طفلٌ بنظرة منه لغرق وغرق العالمون في بحر علومه"
ثم يقول في شوقه إلى النظرة النبوية:
"لو أن لي منه نظرة لا يسعني الدهر سطرةً"
يُعلّق الدكتور جابر بغدادي على هذه الأبيات بقوله: إن العمر كلّه لا يتسع لاستيعاب ما تُلقيه نظرة واحدة من نور النبي ﷺ في قلب المؤمن. فكيف بمن أمضى عمره يكتب ويتكلم عن هذا النور وهو يشعر في أعماقه أن اللسان يقصر والقلم يعجز؟ بيد أن المحب لا يُسكَت، لأن المحبة نفسها هي التي تُملي عليه ما يكتب وما يتكلم.
الوجود كله في خدمة نور النبي ﷺ
ويختتم الدكتور جابر بغدادي هذه المحاضرة الروحانية بكلمة جامعة تُلخّص المقام كله:
"لكل موجودٍ ليس له في الوجود قدمٌ إلا بقدر ما نال من نور سيدنا ﷺ في القِدَم"
وهذه الحقيقة الكبرى تعني أن الوجود كله — من أصغر ذرة إلى أعظم مخلوق — إنما ينال نصيبه من الوجود والتكريم بمقدار ما نال من نور النبي ﷺ الذي خلق الله به الخلق، وأقام به الحق. فالضبّ الذي نطق بشهادته كان نصيبه من هذا النور نطقًا بالحق أمام أهل الباطل، والرجل المعاند لما لمس هذا النور — ولو بنظرة من بعيد إلى المعجزة — وجد طريقه إلى الإيمان. وهكذا كل شيء: يأخذ قدره من النور النبوي فيُحيا، ويُنطق بالحق، ويُهدى إلى الصواب.
