بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أعظم عطاء في أقصر سورة (من أسرار سورة الكوثر )
أعظم عطاء في أقصر سورة (من أسرار سورة الكوثر )
اعلم يا ولدي، أرشدني الله وإياك لسواء السبيل، أن الحق سبحانه وتعالى قد ابتدأ سورة الكوثر بالتفخيم والتعظيم لرسوله الكريم، بينما ابتدأ سورة الإخلاص بصيغة الأمر والتبليغ؛ فقال جل جلاله لنبيه المصطفى في سورة الإخلاص(قُلْ): ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أما في سورة الكوثر فقد تجلى العطاء الرباني قائلاً (إنَّا): ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.
وكأن معني الوحي الإلهي، في تجلياته الصمدانية، يقول لحبيبه المصطفى: من تجرأ بالتهكم على جنابك الشريف، أو تطاول بالنيل من ذريتك الطاهرة، فإني أقول له: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾؛ فأنا جل جلالي من يتحداه، وأنا سبحاني من يتولى الرد عليه وأدافع عنك. وإنما من استنكر وجودي وجحد ربوبيتي، وهو في ذات الوقت يتقلب في نعمي ويستعمل كرمي وجودي، فقل له أنت يا حبيبي نائباً عني ومبلغاً بلسانك: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، لأن هذا الجاحد لا يستحق كلامي الأزلي.
وتأمل يا ولدي هذا السر اللغوي والذوقي البديع في القرآن؛ فحينما يقول الحق تبارك وتعالى: "أعطيناك"، فمعنى ذلك: قد صرفناك في العطاء مطلقاً بلا قيد ولا نحاسبك عليه، وحينما يقول: "آتيناك"، فمعناه: قد جعلنا لك ما لم تكن تملك قبل ذلك ولذا دقة التعبير القرآني جاءت بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. فالقرآن الكريم هو صفة الله الأزلية، وليس ملكاً لسيدنا النبي ، بيد أن الكوثر منحة خالصة وعطاء مقطوع للمصطفى؛ فقال فيه: "أعطيناك"، فهو ملك لك، تتصرف فيه كيفما تشاء، وتسقي منه من تشاء.
ولنا أن نتأمل بخشوع: ما هو الكوثر؟ ارجعوا يا أحبابي ببصائركم لتربطوا أول السورة بآخرها، ليتجلى لكم بروز المعنى وسطوعه؛ فحينما قال الحق: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، جاءت هذه الآية العظيمة في مواجهة قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. والذي شانأه وعاداه إنما عيَّره زاعماً أنه مقطوع الذرية لا عقب له، ولذا قطع أهل العلم والعرفان بأن الكوثر هو الذرية الطاهرة الممتدة من آل البيت النبوي⁽¹⁾. فالكوثر هو آل البيت، والكوثر هو القرآن العظيم⁽²⁾، والكوثر هو نهر جارٍ في أرجاء الجنة⁽³⁾، والكوثر هو الخير الكثير الفياض⁽⁴⁾، بل إن الكوثر هو كل حاجة وعطاء ومنحة اصطفى بها ربنا سيدنا النبي وأعطاها له⁽⁵⁾.
ولما تطلعت أرواح الصحابة الكرام لهذا الفيض الإلهي، قالوا: يا رسول الله، صف لنا نهر الكوثر. فأجابهم نبي الهدى والرحمة قائلاً: «أشد بياضا من الثلج، وأشهى من العسل، وأطيب من المسك»⁽⁶⁾. وفي كل أحوال الوصف النبوي، تراه يستخدم صيغة التفضيل البليغة: "أشد، أشهى، أطيب". وكلمة "أشد" هذه، هي في بلاغتها وحمولتها المعنوية أشبه بقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾؛ وهنا يجب أن يقف الوصف، وتسجد الكلمات لعظمة الموصوف. "أشد" تعني أن الوصف البشري قد انتهى؛ فخذ من بياض الثلج وارتقِ بخيالك إلى ما فوقه، لتعلم أن لون مائه أبيض بياضاً لا عهد لنا به، فهو يقيناً غير ماء الدنيا. هو أحلى من العسل المصفى، ورائحته أزكى من المسك الأذفر⁽⁷⁾، أي أن له رائحة قدسية لا يمكن للكلمات أن تصفها. إن صيغ التفضيل هذه "أزكى، أشهى، أحلى" هي في جوهرها انعكاس لمعنى اسمه الشريف "أحمد"؛ والذي معناه أنه الفريد الذي لا نظير له ولا شبيه يعادله في الوجود⁽⁸⁾.
فأول ما يستخدم سيدنا رسول الله لغة التفضيل، لغة "الأفعل"، فكأنه يوجه لك الخطاب قائلاً: قف أيها العقل البشري عند منتهاك، واسجد بعقلك في محراب التسليم، ولا تتوهم أن بإمكانك الإحاطة بما هو أسمى من إدراكك؛ بل قل بيقين: هذا هو المنطوق الظاهر، وما خفي عن العقول أعظم وأجل. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم برحمته أشار إلى أن هذا الكوثر هو ماء له طعم فريد لا يعرف حقيقته إلا من أكرمه الله بالشرب منه، وله رائحة زكية لا يدركها إلا من تنسم عبيرها، وله لون بهيج تستطيع أبصار القلوب الموحدة الصافية أن تدرك حلاوة ذوقه.
ثم زادهم بياناً وتفصيلاً، فقال في وصف النهر: «حافتاه من اللؤلؤ المجوف»⁽⁹⁾، وقال مبيناً مساره: «له ميزابان»⁽¹⁰⁾، والميزابان هما المصبان اللذان يصبان في الحوض النبوي الشريف.
ولقد بشرنا الحبيب المصطفى بكرامة أخرى مرتبطة بهذا الحوض العظيم، حيث قال: «ومنبري على حوضي»⁽¹¹⁾، وقال مبيناً سعته: «وحوضي مسيرة شهر»⁽¹²⁾. واعلم يا بني أن تعبير "مسيرة شهر" كان عند العرب القدماء هو أبلغ وأقصى معايير السفر⁽¹³⁾، فمسافة الشهر فى ذلك الوقت في الترحال هي أصعب وأطول مسافة ، فهى كالتعبير، يمكن أن يضرب بها المثل. فكأن سيدنا النبي أراد أن يوصل لنا رسالة لطيفة مفادها: إن طول هذا الحوض وعرضه لا يستطيع أحد من الخلائق أن يحسبه أو يحيط بمقاييسه العظيمة.
