بقلم: الشيخ جابر بغدادي
اغتنام العشر الأوائل من ذي الحجة: مشاريع الروح وأسرار القرب
اغتنام العشر الأوائل من ذي الحجة: مشاريع الروح وأسرار القرب
ماذا يُطلب منك، يا ولدي، في هذه الأيام العَشر المباركات من ذي الحجة؟ إنها أربعةُ مشاريعَ روحيةٍ يسيرةٍ ينبغي لك أن تعمر بها وقتك، لترتقي في مراتب القرب من مولاك. المشروع الأول: ألا تفوتك تكبيرة الإحرام، بل تسعى حثيثاً لإدراك الصلوات الخمس في جماعة.
والمشروع الثاني، يا ولدي، إن حالت بينك وبين إتمام الأول حوائلُ الحياة، وادعيت أن ظروف سعيك وراء معاشك لا تسعفك، فاجبر ذلك النقص، وعضَّ بالنواجذ على الإكثار من النوافل. فقد ورد في الحديث الصحيح الشريف الذي أخرجه الإمام الحجة، أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، المتوفى سنة 261 هـ، عن أم المؤمنين السيدة أم حبيبة، رضي الله عنها، أن الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا، غَيْرَ فَرِيضَةٍ، إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» ⁽¹⁾.
أما المرتقى الثالث، يا ولدي، فهو المحافظة على صيام هذه الأيام العَشر، لتطهر بها قالبك وقلبك. ونصل بعد ذلك إلى المرتقى الرابع والأخير، وهو تاج هذه الأيام وغرتها، ألا وهو صيام يوم عرفة. وما أدراك ما يفعله صيام هذا اليوم الأغر؟ إنه، بفضل الله، يكفر ذنوب سنة ماضية وسنة آتية.
إنما السر هنا، يا ولدي، يتجلى حين أرشدنا النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، إلى صيام يوم عرفة كما روى الإمام الحجة مسلم أيضاً، قائلاً: «صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده» ⁽²⁾. فانظر كيف أن هذا الفيضان العظيم من الثواب، لم يكن إلا كرامةً ومحض فضلٍ من الله، وعطاءً متدفقاً ببركة الحبيب المختار؛ ذلك لأن يوم عرفة، قبل مجيء شرائع الإسلام الغراء، لم يكن يُعرف له ثوابٌ في الصيام، بل كان الثواب العظيم مقتصراً على أولئك الحجيج الذين يقفون على جبل عرفات فحسب. فلما جاء حبيب الحق، فاض ثوابه ليعم الصائمين أينما كانوا.
إن هذه الأيام العشر، يا ولدي، لم تُشرع قط لكي ننهمك في تنظيف بيوت الطين، أو لتمتلئ خزائننا وتتخم ثلاجاتنا بالمطاعم والمشارب، ولا لنحمل هموم الدنيا الدنية على كواهلنا. إنما جُعلت هذه العشر الميمونة لكي نزيل من قلوبنا "الأغيار"، وننظف بيوت أرواحنا من كل ما سوى الله جل جلاله. وصدق الصادق المصدوق فيما أخرجه أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفى سنة 256 هـ، حين قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» ⁽³⁾، يعني أيام العشر الأوائل من ذي الحجة.
فالصلاة في كل الأوقات والشؤون محبوبةٌ إلى الحق سبحانه، ولكنها في هذه الأيام أشد حباً وأعظم قرباً. والصدقة في سائر الأزمان محبوبةٌ ومقبولة، ولكنها في هذه الأيام الزاكيات أحب وأجل.
ثم يرتحل القلب بأشواقه، فإن حالت دونه المسافات ولم يُكتب له الوقوف بعرفة الجسد، نادى بلسان الحال والمقال في مشهد من العشق النبوي والصفاء الروحي:
"إذا لم أكن بين الحجيج ملبياً ... فروحي بعرفات الوداد تطوفُ
وإن كنتُ بالأشباحِ في غير حانِها ... فلا يحجُبُ الأرواحَ عنك كثيفُ
وفي مشهدِ العرفانِ لبيتُ مادحاً ... بمدحي لمختارٍ به التشريفُ
فزالت غيومُ العالمين ملبياً ... ولا زلتُ في حُللِ الجمالِ أطوفُ"
