بقلم: الشيخ جابر بغدادي
(التصوف كما يجب أن يكون)#حى_على_الوداد
(التصوف كما يجب أن يكون)#حى_على_الوداد
حقيقة التصوف بين الشريعة والطريقة
يُنشد لسانُ الحال قائلاً:
"تَنازَعَ النّاسُ في الصُّوفيِّ واِختَلَفوا
جَهلاً وظَنُّوهُ مُشتَقاً مِنَ الصوفِ
وَلَستُ أَمنَحُ هَذا الاِسمَ غَيرَ فَتىً
صافى فَصُوفِيَ حَتّى سُمِّيَ الصوفي" ⁽¹⁾
اعلم يا ولدي أنك بالشريعةِ تعبده سبحانه؛ فتصوم، وتُخرج الزكاة، وتؤدي المفروض. وأما بالطريقةِ فإنك تقصده؛ فتخصُّ لنفسك ورداً، وتُسبّح، وتُصلي على النبي ﷺ، وتقيمُ الحضرة، لأن نيتك حاضرةٌ في قلبك، وبصدق النية يحصل لك القصد. وأما بالحقيقةِ؛ فإنك تشهده عياناً بقلبك.
دروب القوم عند ذكر الحبيب
والناسُ عند هذا المقام يا ولدي على دروبٍ عِدّة؛ فمنهم قومٌ يسمعون فيلهون، وقومٌ يسمعون فيلتقون، وقومٌ يسمعون فيرتقون. فكل من يدنو يقترب مسلماً، ومن يدنو أكثر يقترب مؤمناً، ومن يدنو أكثر يشاهد ويرتقي. مصداقاً لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾ ⁽²⁾. فكل امرئٍ يعمل بما يوافق حاله؛ فإنه إذا ذُكر الحبيبُ المصطفى ﷺ ونحن جمعٌ، ترى لكلٍّ شأناً عجيباً وحالاً غريباً:
فمنّا من يموت على وضوءٍ.. وضوءِ القلب.
ومنّا من يتساقط من عُلاه.
ومِنّا مَن يميل باهتزازٍ، ومِنّا من يحن حنين ثكلى، ترقّ له الحجارة لو تراه.
كتمنا الحبّ خوفاً من ملامةٍ، فلم يُكتم، ولا عار على العشاق!
فإذا قال العذولُ: "بكم جنونٌ!" نقول: "نعم، قد جُننّا في هواه!" ⁽³⁾
الطريق بين أصالة العلم وزيف الأدعياء
إن هذا الفن العظيم، وهذا المقام العالي من علوم ديننا الإسلامي الحنيف، قد ظُلم ظلماً كبيراً. لستُ أبتغي أن أُثقل عليكم يا أبنائي، ولكن هذه المقامات لا تُنال ولا تحلُّ إلا بالعلم. وهذا الطريق أصحابه علماء، كلهم أهل علمٍ ووراثةٍ محمدية.
ولطالما كان أرباب هذا العلم يجمعون بين نيل "الشهادات" وصدق "المشاهدات". فليس شيخك من قرأ لك الكُتب يا ولدي، إنما الشيخ من أزال عنك الحُجُب. ليس شيخك من طالع لك صُحفاً، إنما الشيخ من فتح لك باباً. شيخك هو من إذا لاقيته زالت عنك الغيوم، وتجلى نور الحبيب المصطفى ﷺ على عرش قلبك ⁽⁴⁾.
إن هذا الطريق مظلومٌ بين أدعياء التصوف وأدعياء الحب، وما أكثرهم على الساحة؛ لقد لوّثوا هذا المعنى العميق، وشوّهوا هذا المقام العالي، الذي من أجل أن يُعرف وتُرسى قواعده، نزل الأمين جبريل عليه السلام إلى الأرض ليعلمه للحبيب النبي ﷺ ⁽⁵⁾.
