بقلم: الشيخ جابر بغدادي
مقامات الرجولة الروحية في رحاب المساجد: إشراقات الدكتور جابر بغدادي
مقامات الرجولة الروحية في رحاب المساجد: إشراقات الدكتور جابر بغدادي
حين نتأمل قول الحق تبارك وتعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ﴾، لنا أن نتساءل: لِمَ خصَّ الرجال بالذكر؟ اعلم يا ولدي أن مراد الله هنا ليس رجولة النوع والجسد، بل إنما هي رجولة الهمة العالية والروح المترفعة، ولا يقصد جل وعلا مجرد المباني، بل يقصد بالمساجد أسرار المعاني. فالمرأة التي تعلق قلبها بمسجدها في بيتها، هي في مقام الذكر الذي تعلق قلبه بالمسجد الذي يمشي إليه. فالمرأة التي صدقت في عهدها مع مولاها، وأطاعت زوجها، وصلت خمسها، وصامت شهرها، ترتقي لتكون "رجلاً" في عُرف أهل الله وأرباب الحقائق. فقوله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾، لا يقتصر على الذكور، بل يمتد ليشمل كل من صدق، بينما ذلك الذكر الذي لا يقيم الصلاة، فلا يُعد في موازيننا شيئاً، ولا نعرف كيف نذكره، وما ذكرناه يوماً ولن نذكره.
ولذا، حين جاء ذكر المساجد في القرآن، رُبطت عمارتها بهؤلاء "الرجال"؛ لأن الإنسان الذي تحلى بهذه الصفة قد أثبت رجولته وصدقه مع الله، وأثبت رجولته وقوته على نفسه، فاستطاع أن يتحكم في وقته، وقدر على إدارة عُمُره. واعلم يا ولدي أن النفس كذابة خادعة، إن لم تمتطِ صهوتها وتلجمها، ركبتك وأوردتك المهالك. وإن حسن إدارة العُمُر هو من أعظم الفنون التي يتقنها أهل الله الربانيون؛ ولذلك وصفهم القرآن الكريم بقوله: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.
هم يخافون ذلك اليوم المشهود؛ لا لمجرد الخوف من أهوال اليوم ذاته، بل حياءً وخشيةً من الله، خائفون أن يأتوا يوم القيامة وقد قصروا في مقامات الرجولة الروحية مع مولاهم. فهم يعيشون في ترقب للقاء، حتى إذا ما رفع المؤذن صوته نادى: حي على الصلاة، تذكرت أرواحهم ذلك النداء الرباني الأكبر يوم يُنادى على الخلائق للحساب، فيقوم أحدهم ملبياً: لبيك إلهي، كما كنت أمشي مسرعاً إلى المسجد في دنياي.
كم نرى يا ولدي في ساحات المساجد أجساداً بلا أرواح، طافت أبدانهم وغابت قلوبهم، أما من جاء بقلبه الخاشع، فقد صار قلبه قنديلاً مضيئاً من قناديل المسجد، ونوراً مشعاً من أنوار العناية فيه. ولذلك طالما أوصيتك قائلاً: يا ولدي، إيتِ إلى رحاب الله في كل مرة منكسراً متذللاً كما جئتنا في أول عهدك ومسيرك؛ وإلا يا ولدي فإن الاغترار بالعلم والعمل قد يعمي بصيرتك، فتنشغل برؤية طاعتك وإحسانك، عن شهود منَّة الله وإحسانه وبرّه بك.
حين تقصد المسجد، فلتكن في هيئتك الروحية كأول يوم دخلت فيه، حين لم تكن تحسن الصلاة، وتتخذ لنفسك زاوية خفية، يغمرك الحياء والانكسار من الغادي والرائح، وتشعر بأن الأعين كلها ترقبك. الزم هذه الحالة من الانكسار والحياء، فبها وتحت ظلها تكون مقبولاً.
إننا في مسيس الحاجة للعودة إلى السعي للمساجد في أوقات الفجر وعتمة الليل، مصداقاً للوعد النبوي: «مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ»⁽¹⁾. وهذا النُزُل يا ولدي ليس عطاءً عادياً، بل هو نُزُلٌ ذو تجليات ربانية، ومجالٍ تقريبية، ومجالس أنسية، ومحاضر عِندية. تُدار فيها كؤوس من المودة اللدنية، تتلألأ عليها أنوار وردية مستمدة من الحضرة النبوية، فمن شرب منها طرب، ومن طرب سكر سُكراً روحياً لا يفيق منه أبداً إلا على الشهود الأعلى.
هذه النُزُل هي أماكن لك، ومقاعد صِدق مُعدة لك في مجالي الرضا، ومجالس الأنس المنهلة من قاموس سماء المرتضى، وذلك حين ينادي الجليل تبارك وتعالى على أهل مودته، ويختص أهل حضرته، منادياً على من اصطفاهم للمؤانسة والمجالسة والمحادثة. حينها يُنادى على عُمَّار المساجد من قُرَّاء القرآن، فيُؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة، ويُقال له كما أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا»⁽²⁾.
وقد بُشر هؤلاء السائرون بقوله ﷺ: «بَشِّرِ المَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى المَسَاجِدِ، بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ»⁽³⁾. ومصداقاً لقوله ﷺ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ»⁽⁴⁾.
ولكن احذر يا ولدي، إياك أن تُعلق قلبك بالمسجد لتتخذ منه منصة للوجاهة الدنيوية، فتطمح لأن تؤذن بالناس وتتصدرهم، وتصبح "عمدة" ومقدماً على المصلين. ليس هذا ما نبغيه في طريقنا، فهذا حال من جاء ليترأس العباد، بل اقصد المسجد هوناً متواضعاً، منزوياً في جانب من جوانبه، تحتضن مصحفك وتتلو آيات ربك بصمت. لا تكن كمن لم يمر على دخوله ثلاثة أيام وحفظ ثلاث آيات، فقام ينازع الناس ويتصدر المجالس متوهماً الأحقية بسبقه المزعوم، متجاهلاً وجود من هم أعلم وأفقه منه. اعلم يقيناً أن العبادة الحقة تترافق دوماً مع زهد في السيادة، وأي طاعة أو عبادة تورثك إحساساً بالسيادة والتعالي على خلق الله، فابتعد عنها واستغفر الله منها كثيراً؛ فإنها لن توصلك أبداً إلى مُبتغاك. فالمساجد إنما شُيدت لعمارة الأرواح والقلوب.
