بقلم: الشيخ جابر بغدادي
جربوا هذا الدعاء واستعينوا به على شدائد الايام
جربوا هذا الدعاء واستعينوا به على شدائد الايام
يا ولدي، إن للعبودية أسراراً لا يدركها إلا من تغلغل في فقه القلوب، وإن في مناجاة الحق سبحانه مسالك تضيق عنها العبارة وتتسع لها الإشارة. قف معي ملياً، وافتح بصيرة قلبك لنتأمل معاً دعاءً جليلاً، لطالما وقفتُ أمامه متأملاً متلعثماً من عظيم أدبه وعالي فلسفته في المعرفة بالله سبحانه وتعالى.
إنه الدعاء الذي يبدأ بقول سيدي ابي الحسن الشاذلي :
«اللهم إني أسألك الإيمان بحفظك»
تأمل معي يا ولدي، لم يقل في أدبه العالي: "أسألك حفظك"، إنما قال: «الإيمان بحفظك»! وهنا يكمن الفقه العميق، وتتجلى المعرفة في أبهى صورها. فما بال السائل يطلب تحصيل الحاصل؟ إن حفظ الله لك قائم وحاصل لا محالة في كل طرفة عين ؛ فالسؤال فيه نوع من لغو الطلب لمن علم أن ربه لا يغفل ولا ينام. وإنما كمال الفقه عن الله تبارك وتعالى أن تعلم أن حفظه محيط بك، ولكن نفسك الضعيفة هي التي تفتقر إلى صدق التصديق بهذا الحفظ الوجودي. لذلك كان لسان حال المريد : "يا رب، إن حفظك قائم، ولكن هب لي نفساً تؤمن وتوقن بأنك تحفظني في كل أحوالي".
فهل يرزقنا ربنا يا ولدي؟
نعم يرزقنا، وبغير حساب يرزقنا، ويعطينا سؤلنا قبل أن يرتد إلينا طرفنا. فما بالنا نضع اليد على الخد خاضعين منكسرين مهمومين، كأننا لم نصدق يوماً أنه سبحانه هو الرزاق ذو القوة المتين؟
لقد سأل أحدهم إمام العارفين وسيد السالكين في زمانه الإمام جعفر الصادق ⁽¹⁾ -عليه رضوان الله- فقال له: "يا إمام، ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا؟" فجاءه الجواب الذي يقطع دابر الحيرة والظنون، إذ قال له الإمام: «تدعون من لا تعرفونه»!
وكيف لا يستجيب سبحانه؟ ومن ذا الذي زعم أن ربنا لا يرزق؟ ومن ذا الذي تجرأ فقال إن الشافي لا يشفي؟ إن شفاءه حاصل، وإجاباته للمضطرين حاصلة، وأنواره فياضة واصلة إلى كل الوجود، ولكن المشكلة والعلة كامنة في قلوبنا نحن؛ تلك القلوب التي تراكمت عليها الحجب فغدت لا تشعر بمدى قربه تبارك وتعالى.
لأجل هذا يا ولدي، وقفتُ عند هذه الكلمة من الدعاء الشريف، وأردتُ أن أعلّمَ عليها بالأخضر والأحمر والأزرق وبكل ألوان الطيف البديعة، لكي أمر عليها في كل صباح ومساء، فأخاطب قلبي الشارد وأنبه روحي الغافلة قائلاً: "هل سمعت يا هذا القلب؟ هل وعيت؟ اللهم إني أسألك الإيمان بحفظك".
ولعلك تسألني يا ولدي: ولماذا تطلب الإيمان بالحفظ على وجه الخصوص؟
والجواب أن سيدي ابي الحسن الشاذلي أردف ذلك ببيان العلة والغاية فقال مبيناً دوائين لعلتين عظيمتين:
«إيماناً يسكن به قلبي من هم الرزق وخوف الخلق»
إنها آفات الصدر ومهلكات السير إلى الله: همّ يربك حركتك غداً وهو الخوف على لقمة العيش، وخوف يتملكك من أذى مخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً. فإذا تغلغل الإيمان بحفظ الله في سويداء قلبك، سكن روعك، واطمأنت جوارحك، وعلمت أن الخلائق أجمعين لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.
ثم يرتفع بنا الدعاء في معراجه الروحي الصوفي إلى مقام القرب الخالص الذي تنمحي عنده الظنون والوساوس، فيناجي سيدي ابي الحسن ربه قائلاً:
«وأقربْ مني بقدرتك قرباً تمحق به عني كل حجاب، محقته عن إبراهيم خليلك، فلم يحتج لجبريل رسولك ولا لسؤاله منك»
يا له من مقام مهيب! إنه مقام الفناء في القرب ، حيث تلتمس الروح قرباً يزيل كل كدر وحائل يقطعها عن مولاها؛ قرباً شبهاً بذاك الذي غمر خليل الله إبراهيم -عليه السلام- حين ألقي في المنجنيق متجهاً إلى نيران نمرود، فجاءه الروح الأمين جبريل يسأله: "ألك حاجة؟" فكان جوابه العالي بلسان العارف الموقن بالحفظ الإلهي: "أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، علمه بحالي يغني عن سؤالي" ⁽²⁾.
وهنا نقف بقلوب واجفة أمام هذه الحكمة العظيمة: كيف يحجب المولى جل وعلا عبده عن مضرة الأعداء، وهو الذي غيبه بفضله وقربه عن منفعة الأحباء؟
إن الرب العظيم الذي تولاك فاستغنيت به عن إعانة أحبابك وعن الملائكة المقربين كجبريل عليه السلام، لن يخذلك أبداً ولن يسلمك لنكاية أعدائك ومبغضيك. إن الذي أغناك عن الحبيب، كيف يملك منك العدو ويجعل له عليك سبيلاً؟!
إن آفة السائر والسالك في طريقه إلى الله تكمن في أنه لا يصدق ربه باليقين المطلق. الأزمة كلها تتلخص في ضعف اليقين. ولذلك، يا ولدي، نحن بحاجة ماسة إلى أن نثق في قدرة الله المطلقة، وأن نجعل من ذكريات وموالد الصالحين والأولياء محطات ومولدات لشحذ العزائم والهمم على طريق السلوك والتربية. نجدد فيها عزم التوبة النصوح، ونستعيد فيها أنفاس إيماننا الفاتر.
إننا حين نقصد هذه المشاهد والمقامات الشريفة، ما جئنا -معاذ الله- لكي نزور مجرد تراب أو نطوف بوثن كما يدعي الجاهلون المرجفون؛ حاشا لله! إنما جئنا لنضع أعيننا ونكحل بصائرنا، ونطأ بأقدامنا المواطن المباركة التي فنيت فيها أعمار الأنبياء والأولياء والصالحين في طاعة الله وذكره.
جئنا نلتمس نفحة من أنفاسهم، لعل البعيد منا يعود إلى حضرة القرب، ولعل الشريد التائه يؤوب إلى كنف الرعاية، ولعل الضمائر التي ماتت من وطأة الدنيا والشهوات تدب فيها الحياة من جديد، ولعلنا نستعيد أمجادنا الروحية والإسلامية الغابرة.
ولا مجد حقيقي للأمة إلا بالتعلق بمقامات المجد والرفعة، فما مجّد الله قوماً في كتابه العزيز بمثل ما مجد أهل بيت نبيه الأطهار حين خاطبهم في محكم التنزيل بالرحمة والتعظيم والتشريف، فقال سبحانه وتعالى:
﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ﴾
فالزم يا ولدي هذا الباب، واستعن بهذا الدعاء واليقين على شدائد الأيام، تنجو من هموم الدنيا والآخرة.
