بقلم: الشيخ جابر بغدادي
تعرف إيه عقوبة الإصرار على البعد عن ربنا | الشيخ جابر بغدادي
تعرف إيه عقوبة الإصرار على البعد عن ربنا | الشيخ جابر بغدادي
ميزان المحبة الصادقة: بين الفناء والاكتفاء
أتروم يا ولدي أن تبلغ مراتب محبة النبي ﷺ وتفرح بمولده الشريف؟ أتبحث عن ميزان دقيق يصدق دعواك في هذه المحبة أو ينفيها؟ اعلم يقيناً أن ميزان المحبة ذو كفتين لا يستقيم السير إلا بهما: أولاهما "الفناء" في محبة رسول الله ﷺ، وثانيتهما "الاكتفاء" برسول الله ﷺ. وعلى هذا الدرب المنير سار ساداتنا من الصحابة الكرام، فعملوا بهاتين الحقيقتين، ففازوا ونالوا الرضا من الحق جل جلاله.
واعلم يا ولدي أن أي حب في هذه الدنيا لا يتحقق بهاتين الحقيقتين؛ فهو حب زائف ووهم خادع. فقد علمنا ساداتنا من أهل الله ⁽¹⁾ أن الحب ينقسم إلى ضربين: حب غرام يملك الأرواح ويسلب اللب، وحب أوهام يخدع صاحبه. فكم من امرئ، لكثرة ما يلوكه لسانه من حديث عن الحب، يخيل إليه وللناس أنه محب صادق، فإذا ما سُبر غوره واختبرت سريرته، لم تجد لصدق دعواه أثراً! ليتساءل العبد متعجباً: يا رب، ما هذا الهراء؟ أكل هذه الجلبة والادعاءات العريضة تنتهي بصاحبها إلى محض كذب وافتراء؟ نعم يا ولدي، هذا هو ما نسميه أوهام.
مظاهر الحب الموهوم وثمرات الحب الموهوب
فإن كانت غايتك وسعيك كله من أجل حظوظ الدنيا ومكاسبها؛ فحبك أوهام. وإن كنت سريع الغضب، قاسي القلب لا تعرف للمسامحة سبيلاً؛ فحبك أوهام. وإن كنت عاقاً لوالدتك، قد قسى قلبك فلا تبرها ولا تعرف كيف تنكب مقبلاً قدمها؛ فأنت أسير للوهم. وإن كنت لا تحسن التجاوز عن زلة جارك ومسامحته؛ فأنت موهوم. وإن قبضت يدك عن الجود ولم تكن كريماً؛ فأنت موهوم.
أما إن عكست الحال، وخالفت هذه الآفات، وتحليت بجميل الصفات، فإنك حينها ترتقي لتكون "موهوباً" بفضل الله. فحب النبي ﷺ إما أن يكون فناءً فيه واكتفاءً به، وإلا فلا يتعدى كونه وهماً وسراباً. وتلك قاعدة مطردة، فكل حب في هذه الدنيا لا يصدق إلا بجناحي الفناء والاكتفاء.
حقيقة الفتح الأعظم ولذة الشهود
وما هو الفتح الأعظم يا ولدي؟ قد يظن بعض الغافلين أن الفتح الأعظم يتلخص في بضعة دراهم وقرشين تُجمع، أو يظنه آخر في جنتين تُمتلك، أو في دكانين يُتاجر فيهما، أو حتى في عريسين يُزفان! كلا يا ولدي، ليس هذا هو الفتح.
إن الفتح الأعظم حقاً يتجلى في ذلك المشهد المهيب، يوم تقف لتشرب من حوض الحبيب ﷺ بكف خفية لا تُرى، مصداقاً لما أخبرنا به الحق سبحانه عن أهل النعيم: ﴿وَسَقاهُم رَبُّهُم شَرابًا طَهورًا﴾ ⁽²⁾. فتشرب شربة من خمرة المحبة الإلهية، تسكر بها روحك سكرة لا تفيق منها أبداً إلا بعد أن تُرفع الأستار فلا تُعطى في تلك اللحظة المجيدة منزلة أعظم وأجلّ من لذة النظر إليه جل جلاله.
عقوبة الحجاب عن الله في الدنيا والآخرة
ولتعلم يا ولدي أن من أشد العقوبات وأقساها إيلاماً للروح هو "الحجاب" عن الله عز وجل، حتى في يوم القيامة العظيم، كما أن أجلّ النعم وأعظمها قاطبة هو "الشهود". ولهذا، حين أراد الحق سبحانه أن يتوعد الفئة التي سيعاقبها بأشد أنواع العذاب، قال عنهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُم عَن رَبِّهِم يَومَئِذٍ لَمَحجوبونَ﴾ ⁽³⁾. وتأمل البلاغة القرآنية يا ولدي؛ فهو سبحانه لم يقتصر على ذكر أنهم في النار يُعذبون فحسب! بل ذكر أن ما هو أشد خطراً وفتكاً بالأرواح من عذاب جهنم، إنما هو عذاب الحجاب والمنع عن رؤية وجهه الكريم.
من الغفلة إلى الإخلاص: تحذير من فخاخ الطريق
وتيقن يا ولدي أن هذا الحجاب الأخروي له مظاهر وبدايات تتشكل بذورها هنا في دار الدنيا. فمن مظاهره: إهمالك وهجرك لسبحتك، وإعراض قلبك عن مجالس الذكر، وانغماسك وانشغالك بالدنيا حتى وإن كان ذلك في غمار الجدل العقيم والمراء الذي يقسي القلوب. فتدارك نفسك، واستمع لنداء الحكمة القائل ⁽⁴⁾: "أقبل على النفس واستكمل فضائلها * فأنت بالروح لا بالجسم إنسان".
فأنت يا ولدي مأمور بتجريد الإخلاص لله، وبتخليص قلبك من شوائب الأغيار، لعل الله أن يخصك بلطيفة من لطائف عنايته وأنعمِه.
مقامات الانشغال وغفلة السالكين
ولكن المصيبة كل المصيبة تقع حين ينشغل السالك بالوسائل عن الغايات، فتراه يتساءل: بم انشغلت؟ لقد انشغلت بالطريقة عن حقيقة الطريق إلى الله، وانشغلت بالإدارة والتدبير عن صدق الإرادة، وانشغلت بالأنوار المتعددة عن النور الأوحد المتوحد.
ويستمر الانشغال في مراتب الغفلة الدقيقة ⁽⁵⁾؛ فانشغلت بحبه عنه سبحانه، وانشغلت بالكأس عن حقيقة المشرب، وانشغلت بالمشرب ذاته عن الدرب القويم. وشغلني المشرب عن الساقي، وشغلني ما شربت فما طربت، وشغلني ما طربت به فلم أغب، ولما غبت في نشوتي رأيتني وما رأيته! فقلت في نفسي حينها معاتباً ومتحسراً: يا خجلتي ويا حسرتي يوم نلقى الله جل جلاله أن يُقال لنا: ﴿كَلَّا إِنَّهُم عَن رَبِّهِم يَومَئِذٍ لَمَحجوبونَ﴾ ⁽³⁾. فيُقال للعبد في مقام العتاب والتأديب الإلهي: إن كنت يا هذا قد زرتنا ولم ترنا؛ فزرتنا ورأيناك.
