بقلم: الشيخ جابر بغدادي
رسائل هادئة لكل محزون: في معية الله ومحبة رسوله مع الشيخ جابر بغدادي
رسائل هادئة لكل محزون: في معية الله ومحبة رسوله مع الشيخ جابر بغدادي
﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾⁽¹⁾، إنها معيةٌ تُطوى لي فيها أوصافي، فأجدني ماثلاً بين يدي الله تعالى. ومن أجل هذا المعنى، يا ولدي، كانت "الصلاة معراج المؤمن"⁽²⁾. فلتكن صلاتك وصيامك معراجاً؛ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾⁽³⁾، لعلكم ترتقون، لعلكم تَرِقُّون، ولعلكم في ساحات القرب تلتقون. إن وراء هذه الصور المادية أحوالاً وأنواراً لا يدريها إلا من سكن فيها، وإن من خلف هذه الصور المستورة لطائفَ أنوارٍ لا تدركها إلا الصدور المنورة.
فالحمد لله الذي زين أصواتنا بتلاوة القرآن الكريم، وزينها بمدح النبي ﷺ، وجعلنا بفضله في مقام المحبة؛ فإن ذرةً من محبة تغني عن كثيرٍ من الأعمال الخاوية بلا حب. إن الله سبحانه وتعالى قد ميز هذه الأمة المحمدية بأنها تعبد رباً تحبه، والله جل جلاله لما تجلى لها، تجلى بصفة الود والمحبة، فجعل ثمرة العمل الصالح المودة الخالصة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾⁽⁴⁾.
ولنا أن نتأمل، يا ولدي، في حال الأمم التي سبقتنا؛ فقد كانوا يعبدون الله بجفاء، ويتبعون أنبياءهم بغلظة. فهذه أمة سيدنا موسى عليه السلام، لما أمرهم الله تعالى بالجهاد في سبيله، تجلى جفاؤهم في قولهم لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾⁽⁵⁾. تأمل هذا الجفاء، مع أنهم لم يمر على إيمانهم وإسلامهم مع نبي الله موسى إلا وقت يسير! إنما الحقيقة تتجلى في أن هذه الأمة المحمدية ميزها الله بالحب، مع أنها أقل الأمم تكليفاً، فقد خفف الله عنها إكراماً لنبينا الشريف ﷺ، فقَبلَ منّا العمل الضعيف إكراماً لقدره المنيف. لقد خاف بنو إسرائيل من غير الله، وانشغلوا بسواه، فصرخوا قائلين: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾⁽⁶⁾، ظناً منهم أن الأعداء سيلحقون بهم ويؤذونهم. أما نحن، يا ولدي، فلا نخاف إلا من الله، ولا نحب إلا الله، ولا ننشغل إلا بالله.
فإذا كانت "التحيات لله"، تُطوى لي أوصافي فأجدني بين يدي الله، ومن أجل هذا كانت "الصلاة معراج المؤمن يا عباد الله"⁽²⁾. فلنفك يا ولدي عقال عقولنا قليلاً، لنرتقي في معارج الأرواح؛ فإن محبة الله ورسوله:
"هي خمرةٌ لا يذوقها مقيد *** إلا فتىً قد زُجّ في الإطلاقِ"⁽⁷⁾
واللهِ ما ضرت الأحبابَ غيرُ نفوسِهم، هي التي عطلتهم عن شراب كؤوسهم، واللهِ لولاها لكانت تُرى تيجانُ نورٍ فوق رؤوسهم. فليس كل ما تراه بعينك الباصرة قد لاحت حقائقه لعقلك، إن وراء هذه الصور أحوالاً وأنواراً لا يدريها إلا من يسكن فيها، وإن لم نفهم هذا السر، فاعلم أن الغرام له أهله.
ولتحفظ يا ولدي هذا الدعاء العظيم، الذي نطق به الإمام العارف بالله سيدنا أبو الحسن الشاذلي (ت 656 هـ، إمام الطريقة الشاذلية)⁽⁸⁾، حيث قال: "اللهم اجعل لي مذكراً من عقلي، ومهيمناً من روحي، ومسلماً من قلبي؛ كي أسبحك كثيراً، وأذكرك كثيراً، إنك كنت بنا بصيراً". تأمل قوله: "اجعل لي مذكراً من عقلي"، فالعقل دوره التذكير فحسب، ولا ينبغي أن يملي سلطانه عليّ، بل اجعل السلطان فيّ لروحي. لأن العقل إذا طغى على القلب - والقلب سمي قلباً لتقلبه - فإن مال القلب ناحية العقل حُجب عن الأنوار، وإن مال ناحية الروح رأى وشاهد.
إن بني إسرائيل لم يكونوا أمة محبة، بل كانوا أمة مادية غلبت عليهم الكثافة، فلما رأوا الصور المادية قالوا: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾⁽⁹⁾، مما جعل نبي الله موسى يواجههم بيقين قائلاً: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾⁽¹⁰⁾. ولنا أن نعقد مقارنة بين هذا الجفاء، وبين موقف الصحابيين الجليلين سيدنا المقداد بن عمرو (ت 33 هـ، من سادات الصحابة وفرسانهم)⁽¹¹⁾، وسيدنا سعد بن معاذ (ت 5 هـ، سيد الأوس)⁽¹²⁾، حينما استشارهم النبي ﷺ في غزوة بدر، فلم يقولوا كما قالت بنو إسرائيل، بل قالوا بلسان الحب واليقين: "يا رسول الله، امض لما أراك الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون"⁽¹³⁾.
وانظر يا ولدي إلى الصدّيق الأكبر، سيدنا أبي بكر الصديق (ت 13 هـ، خليفة رسول الله وصاحبه في الغار)⁽¹⁴⁾، كيف غلب عليه الحب على مجرد الاتباع الظاهري في طريق الهجرة. يسأله النبي ﷺ: يا أبا بكر، لِمَ تمشي أمامي تارة وخلفي تارة؟ فيجيبه بلسان المحب الواله: "يا رسول الله، أذكر الرصد فأمشي أمامك، وأذكر الطلب فأمشي خلفك"⁽¹⁵⁾. ولما ارتقى حبه إلى هذا الذوق العالي، تجسدت معاني الاتحاد الروحي في قوله: "شرب النبي فارتويت"⁽¹⁶⁾. شرب النبي فارتوى أبو بكر! واحد يشرب، والثاني يرتوي يا ولدي! هل لك أن تعيش هذه الحالة الروحية مع شيخك؟ هل تقدر أن تحياها مع أخيك في طريق الله؟ يشربه هو فترتوي أنت، ويشبع هو فتشبع أنت!
إن لم نصل إلى هذه المعاني، فما زال الطريق أمامنا طويلاً. إن الصيام لم يوصلنا بعد إلى مراده الأسمى. يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾⁽³⁾. فإذا لم يثمر الصيام تقوى، فالطريق لا يزال في بدايته. نحن نبتغي من شهر الصيام أن يسمو بنا ونتطور روحياً؛ لعلكم تتقون، لعلكم ترتقون، لعلكم تَرِقُّون، لعلكم تلتقون. لعل الصيام يرقق حجاب بشريتك الكثيف، فتجد أحبابك من أهل الله تتعامل معهم وتشاهدهم بقلبك.
فلما قال قوم موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾⁽⁶⁾، أجابهم بيقين: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾⁽¹⁰⁾. وهنا يتجلى الرد الإلهي لسيدنا أبي بكر الصديق في الغار، حين سطر القرآن هذا المشهد: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾⁽¹⁾. قارن يا ولدي بين ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾⁽¹⁰⁾ وبين ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾⁽¹⁾. القرآن كله عالٍ مجيد، ولكننا ندلف هنا إلى مقامٍ ودائرةٍ أوسع من مجرد الرؤية. أكمل الآية وتدبر: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾⁽¹⁾. لقد أنزل الله سكينته على "واحد" بلفظ الإفراد! فأين ذهب الثاني؟ لقد تماهيا واندمجا، فدخل الاثنان في معيةٍ واحدة، ولما عطف سيدنا النبي ﷺ على أبي بكر الصديق وأدخله في حصن المعية، صارا واحداً في الروح.
هل تعرف يا ولدي كيف تعيش هذه الأحوال؟ أم سنبقى طوال أعمارنا نتحسر نتحرك بشفاهنا دون تذوق؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾⁽¹⁾؛ تعني أن الحب قد وحدنا، فصرنا نبضةً يمضي بها عبر الحياة كلانا. وكما قيل في لسان العشق:
"وما نحن إلا في التحقيق كشخصٍ له اسمانِ *** والذاتُ واحدةُ"
"تداولنا جسمانِ وهو عجيبٌ *** بأيٍّ تنادي الذاتَ منه تُجيبُ"⁽¹⁷⁾
إنا صرنا جسمين لشخص واحد، أو شخصاً له اسمان، بأي اسم ناديته أجابك الاثنان. ولأجل هذا، أنعم الله على أبي بكر بردٍ جميل في قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾⁽¹⁾، فلما وهبه النبي ﷺ سر المعية، ارتقى الصدّيق بهذه المعية إلى مراتب التوحيد الصافي.
وفي هذا المقام، أذكر لكم قصة الإمام الأصمعي (ت 216 هـ، راوية العرب وعالم البصرة)⁽¹⁸⁾، لتعضد هذا المعنى. يروي الأصمعي أنه مر بصومعة ليس فيها أحد، مكتوب على جدارها:
"يا أهل ودِّي إذا حَلَّ عِشقٌ بالفتى *** كَيفَ يَصْنَعُ؟"
فأخذ الأصمعي حجراً وكتب تحتها مجيباً:
"يُداري هَواهُ ثُمَّ يَكتُمُ وَجْدَهُ *** وَيَصْبِرُ في كُلِّ الأُمورِ وَيَخْضَعُ"
فلما عاد في اليوم التالي، وجد الفتى العاشق قد رد عليه كاتباً:
"وكيف يُداري والهوى قاتلُ الفتى *** وفي كُلِّ حَالٍ قَلبُهُ يَتَقَطَّعُ؟"
فماذا يصنع؟ كل ليلة تتزايد لوعة الشوق والحنين الذي يقتلنا وجداً في حضرة النبي ﷺ. فرد عليه الإمام الأصمعي كاتباً:
"إذا لَم يَجِدْ حَالاً لِكِتْمانِ مَا بِهِ *** فَلَيسَ أَرى غَيرَ المَنِيَّةِ يَنْفَعُ"
أي أنه يموت أحسن له. وفي اليوم الثالث، وجد الأصمعي مكتوباً:
"سَمِعنا أَطَعنا ثُمَّ مِتْنا تَهَتُّكاً *** فَبِاللَّهِ بَلِّغوا مَنْ كان عَنَّا بِالمُواصِلِ يَمْنَعُ"
ووجد تحت الجدار شاباً ميتاً، صريعاً من فرط الحب!
يا ولدي، هل نعرف أن نحب هكذا؟ هذه ليست أساطير، بل هي حقائق وأحوال الصالحين الصادقين. نعود لقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾⁽¹⁾، لقد دخل سيدنا أبو بكر في هذا السر. أما نحن، حين نقرأ هذا الكلام، نقرأه بظنٍ، لأننا غلب علينا سوء الظن بالله، فلا نصدق ولا نأخذ الأمور بإيمان قاطع. نقول بلساننا "نعم نعم ربنا معنا"، ولكن القلوب لا تزال تعشش فيها العناكب، وتتصارع بداخلها الوحوش وتأكل بعضها بعضاً. أما سيدنا أبو بكر، فبمجرد أن قيل له ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾⁽¹⁾، دخل في المعية وحسّ بها فسكن قلبه واطمأن. وتأمل ما تلاها: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾⁽¹⁾، وقد فسرها العلماء على ثلاث درجات؛ طائفة قالوا: السكينة عائدة على الله أنزلها على رسول الله ﷺ، فقيل: وأين أبو بكر منها؟ فعالج طائفة أخرى القضية قائلين: السكينة هي سكينة النبي التي أخذها من الله ففاض بها على أبي بكر، وهذا تفسير حلو. ولكنني يا ولدي أميل للوجه الثالث، وهو أن الله أنزل سكينته الإلهية عليهما معاً؛ لأنهما صارا واحداً! هو الحب الذي وحدنا فصرنا نبضة يمضي بها عبر الحياة كلانا. وكما قال: "شرب النبي فارتويت"، فنزلت السكينة الإلهية عليهما؛ لكونهما يعيشان معنىً واحداً.
والأمر يا ولدي لم يتوقف عند سيدنا أبي بكر الصديق، لئلا يقول لي قائلكم في نفسه: "يا عم الشيخ، هذا أبو بكر، فأين نحن من أبي بكر؟". أعلم أن هذه الكلمة تجول في صدرك، ولكن خذ الآية التاليه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾⁽¹⁹⁾. كان الأمر مع الأمم الأخرى مختلفاً؛ أمم جاحدة جامدة، ما إن جفت أقدامهم من عبور النهر والبحر المنشق لهم، حتى قالوا لنبيهم: ﴿يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾⁽²⁰⁾! هل يُعقل هذا يا ولدي وهم لم يبرحوا معجزتهم بعد؟ أما أمة الإسلام، فهي أمة واثقة في نبيها، واثقة في دينها، تعبد الله على حب.
تعال نتأمل، لقد أمر الله سيدنا النبي ﷺ بالاقتداء فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾⁽²¹⁾. فماذا فعل سيدنا النبي ﷺ؟ لقد رفع شعار الحب، وأعلى مقام الحب، وأرسل جواب الحب قائلاً: «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون»⁽²²⁾. إن سيدنا محمداً ﷺ بهذه الأخلاق العظيمة، جعل للصبر عنواناً، فإذا كان الصبر يُسمى، فاسمه "محمد". كل كمالٍ يا ولدي نُزّل في آيات الله والسنة، فعنوانه ومجلاه الأتم هو رسول الله ﷺ. وكل الكمالات التي خلقها الله وأمر العباد أن يتخلقوا بها، ما هي إلا شذرات من نور سيدنا محمد ﷺ.
قيل له اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، فهل فعل كـموسى حين قال: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾⁽²³⁾؟ أم كـعيسى حين ترك الأمر قائلاً: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾⁽²⁴⁾ بل نبينا أتى الينا ببراءة للكل… قائلاً: «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون»⁽²²⁾. تجلى ﷺ بالرحمة الموصولة، فاسمع ما قال: «حياتي خير لكم؛ تُحدِثون ويُحدث لكم، ومماتي خير لكم؛ تُعرض عليّ أعمالكم، فإن وجدت خيراً حمدت الله، وإن وجدت غير ذلك استغفرت الله لكم»⁽²⁵⁾. وإياك يا ولدي أن تسيء الظن بسيدنا نوح عليه السلام الذي مكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فذلك فرمان إلهي. ولكن نبينا المصطفى ﷺ صبر صبراً شرف به أولو العزم من الرسل، فكان يُؤذى فيقول متضرعاً: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئاً»⁽²⁶⁾.
