Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

عقيدة التوحيد في أسرار التسبيح: بين شهود الجلال والجمال والافتقار للمنعم

مقال عقائدي بليغ مستنبط من توجيهات الدكتور جابر بغدادي، يرسخ عقيدة التوحيد الصافية من خلال أسرار التسبيح، موضحاً تجليات صفات الجلال والجمال والكمال، ومصححاً لمفاهيم الشكر والافتقار إلى الله لتنزيه القلوب عن رؤية العمل مع إثبات السعي، درءاً لمزالق العقائد الفاسدة.

العقيدة في أسمى غاياتها: استشراف رضا رب السماوات اعلم يا ولدي أن العقيدة السليمة لا تقف عند حدود الإقرار الذهني، بل تتجاوزه إلى يقين قلبي يوجه بوصلة العبد نحو غايته العظمى.
وفي خزائن المنن أسرارٌ عقدية تتجلى على ألسنة الذاكرين، ولعل من أعظمها ما قرره المصطفى في الحديث الشريف: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن» ⁽¹⁾.
إن المرتكز العقائدي هنا ليس في مجرد النطق، بل في اليقين بأن أهم من الجزاء ذاته هو بلوغ "الرضا" الإلهي؛ فالعقيدة الصحيحة توجب على العبد أن يعبد الله طلباً لوجهه لا طمعاً في جنته فحسب، ولهذا توّج الحق سبحانه وتعالى نعيم الجنة بأن أسبغ على أهلها رضوانه الأكبر قائلاً: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ⁽²⁾.
فاستشرافك، يا ولدي، إلى الذكر بهذه الكلمة المباركة بقصد نيل الرضا يُوجب لك محبةً خالصةً من الله، وهذا هو جوهر التوحيد الخالص.
توحيد الأسماء والصفات: تجليات الجلال والجمال والكمال ولنتأمل يا ولدي في لطائف هذه الكلمات في ميزان (توحيد الأسماء والصفات): "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".
لقد تذوق أهل الله أسرار العقيدة فيها ففسروها قائلين: إن قولك "سبحان الله" هو تنزيهٌ للمولى عن كل نقص، وهو إشارة إلى مقام (الجلال) الذي يورث في القلب الهيبة والتعظيم.
وقولك "وبحمده" إثباتٌ للمحامد والنعم، وهو إشارة إلى مقام (الجمال) الذي يورث في القلب الرجاء والمحبة.
فهو ذكرٌ بديع يجمع بين توحيد الله من طريق الجلال ومن طريق الجمال معاً، فلا يغلب خوفٌ يقنط، ولا رجاءٌ يطغي.
فماذا عن قولك: "سبحان الله العظيم"؟ إنها إشارة عقدية إلى مقام (الكمال) المطلق لله رب العالمين.
وفي هذا المقام ترتقي الروح وتذوب في شهود كمال المحبوب، متجردة من حظوظ النفس، ليتمثل العبد حال أحد العارفين ⁽³⁾ حين عبّر عن فناء إرادته في إرادة مولاه قائلاً: "تيّهتموني في بديع جمالكم ...فلم أدرِ في بحر الهوى أين موضعي" عقيدة الشكر ومقام الافتقار: درء الشبهات وإثبات المنة إن جملة "سبحان الله وبحمده" حقيقةٌ عقدية يقف عندها العبد خاشعاً، ليناجي ربه بلسان الحال والمقال، مقراً بعبوديته المطلقة قائلاً: إلهي، أنت الكبير العظيم وأنا الصغير الضعيف، فلا تؤاخذني؛ فإني لا أجد من الكلمات ما يوفيك حقك.
يا ولدي، إن هذه الكلمات إنما ينطق بها العارفون حقاً وهم مستقرون في دائرة (العجز عن الشكر)، وهو أعلى مقامات المعرفة بالله.
وما دمت قد وصلت مع المحبوب جل جلاله لدرجةٍ تشعر فيها أنك لا تستطيع أن تجد لفظاً يسعفك في الثناء عليه، فاعلم أنك بذلك قد حققت عقيدة الشكر الصافية.
ولكن احذر يا ولدي هنا من مزلة الأقدام؛ فشهود المنة لله والعجز عن الشكر لا يعني بحال من الأحوال الركون إلى الكسل أو اعتناق (عقيدة الجبرية) الباطلة التي تسلب العبد إرادته وتنفيه عن العمل.
إن أهل السنة والجماعة يثبتون للعبد سعياً وعملاً وإرادة، ويوجبون عليه أن يسعى لشكر مولاه بجوارحه وقلبه، ولكنهم في الوقت ذاته لا يرون لعملهم وزناً أمام عظمة المعبود، ويعتقدون يقيناً أن توفيقهم للشكر هو نعمة جديدة تستوجب شكراً آخر.
فالعبد فاعلٌ مختار في سعيه، والله هو الخالق الموفق المتفضل.
وقد تجلى هذا المعنى العقدي البديع في مناجاة نبي الله داود عليه السلام (نبي الله وخليفته في الأرض) ⁽⁴⁾، حين وقف في مقام الافتقار والعجز عن إيفاء حق المنعم قائلاً: "يا رب، كيف أشكرك، وشكري لك نعمة منك عليَّ توجب عليَّ بها شكراً؟"، فأوحى الله تعالى إليه بالجواب الذي يرسخ عقيدة التوحيد وتنزيه الرب: "الآن شكرتني يا داود"، وفي توجيه آخر للمعنى ذاته: "إذا عرفت أن ذلك من عندي فقد حمدتني".
فرؤية الفضل كله لله هي لب العقيدة السليمة ومفتاح النجاة.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 5 دقائق