بقلم: الشيخ جابر بغدادي
كلام في شروط الإستقامة الثلاثة يزيل الهم
كلام في شروط الإستقامة الثلاثة يزيل الهم
آفات الاستقامة الخفية وخطر التقييم
اعلم يا ولدي أن آفات الاستقامة ودخائلها الخفية لا تقتصر على العُجْب الدفين أو الغرور الظاهر فحسب، بل تمتد إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير وأشد خطراً على قلب السالك؛ إنها آفة التقييم، أن تنصب نفسك حكماً ومقيماً لحالك مع الله.
ولأجل هذا يا ولدي، بينت لك أن الاستقامة على صراط الله المستقيم إنما تقوم على ثلاثة أركان متينة، وثلاثة محاور جلية لا غنى لسالك طريق الحق عنها: أن تستقيم راسخ القدم على طاعة الله، وأن تقوم نفسك وتصلحها من رعونة معصية الله، وألا تقيم نفسك قط، لا في مقام طاعة شهدتها، ولا في وحل معصية زللت فيها.
وهذا يا بني هو السر الدفين والمغزى الأسنى في قوله جل وعلا: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ ⁽¹⁾ [سورة الجن: 16].
فالقاعدة الذهبية الجامعة، والضابط المحكم المحرر لأمر الاستقامة كله، إنما يتلخص في جملة واحدة: (قيام، وتقويم، بلا تقييم).
ثلاثية الاستقامة: قيام، وتقويم، بلا تقييم
فكيف تستقيم يا ولدي على الطريقة؟ والطريقة هاهنا ليست سوى عين الإسلام، وجوهر الشرع الحنيف، والدين القويم الذي ارتضاه الله للعباد. كيف أستقيم عليه؟ وكيف أسير بخطى ثابتة على درب هذه الاستقامة؟
إنما يكون ذلك بأن تقوم نفسك وتفطمها عن رعونة البشرية ودخائل النفس أمارة بالسوء، وأن تقيمها براسخ الثبات على قدم العبودية الخالصة لله رب العالمين، وألا تقيم نفسك أو تزن حالك قط. فالسر الإلهي كله يكمن في هذه القاعدة الجامعة المانعة: قيامٌ بوظائف الحق، وتقويمٌ لرعونات النفس، بلا تقييمٍ للأحوال.
فإياك إياك أن تقول عن نفسك: "أنا شيخٌ فاضل ومقرب"، ولا تحكم على روحك بأنك إنسان سيئ هالك! أوعيت مقصدي وفهمت مرادي يا ولدي؟
فإن قلت لي مستفسراً: "ولكني يا شيخنا أرى نفسي سيئاً ومقصراً " أقول لك: هذا الإحساس بالتقصير إحساسٌ جميل ورائع في أصله، فاجعله حادياً يحدو بك ويسوقك إلى أعتاب الطاعة، ومحفزاً يبعثك على ابتغاء مرضاة الله؛ لكن إن قادك هذا الشعور نفسه إلى ظلمات اليأس، وحجبك بقيد الإحباط، فاعلم يقيناً بلا ريب أن هذا من نزغ الشيطان ومكائده الخفية! فلِمَ تضيق ما وسعه الله، ولماذا لا توسع على نفسك دائرة الرحمة الإلهية الشاملة لكل شيء؟
مقامات الجلال والجمال في ميزان العبادة
ولقد رُوي في أثر الصالحين ⁽²⁾ أن رجلاً من عبّاد سلفنا الأبرار قام ليلته يصلي، فظل طول ليلته يقيم الليل ويناجي ربه بقلب خاشع قائلاً: "اللهم اغفر لي"، حتى غلبه النوم فنام.
فهُتف به في هاتف المنام فقيل له: إن الله تبارك وتعالى قد غفر لمن قام ومن نام!
فتعجب الرجل في سريرة أمره وتساءل: يا رب، أما من قام فقد عرفنا سبب المغفرة له لانتصابه في الخدمة، فبماذا غفرت لمن نام؟
فجاءه الرد الإلهي العظيم الباهر: "لما ناموا ذكروا جمالي، والذين قاموا ذكروا جلالي، وقد حان وصالي لأهل جمالي وجلالي"!
فسبحان الله! فالذي نام والذي قام، ما شأنك أنت بهما وما دخلك بينهما وبين ربهما؟ هذا الذي نام إنما نام طمعاً في جمال الله وسعة رحمته وعفوه الواسع، نام وهو يعقد النية على مطالعة الجمال الإلهي المحض، وذاك الذي قام إنما قام وهو يظن أن محض العبادة والجهد هو الذي يدخله الجنة. فهذا غفر له بفضله، وهذا غفر له برحمته، ليعلم من قام وانْتَصَبَ أن الله تبارك وتعالى هو ربٌّ لمن قام، وهو ربٌّ لمن نام.
إياك ثم إياك أن تقيم يا ولدي! ولا تضيع نفسك ولا تهلك روحك بميزان التقييم الموهوم. فالاستقامة لا تحقق ولا تكتمل بحال إلا لمن اتصف بشرائطها الثلاث المتلازمة: قيامٌ تام بوظائف العبودية، وتقويمٌ دائم لرعونات البشرية، والثالثة وهي تاجها: ألا يكون هناك تقييم لحالك مع مولاك.
حقيقة المقامات: بين الشكر والرضا والحب
ثم يأتيني بعد ذلك من يتساءل بفضول متسرع واستعجال ظاهر: "يا شيخنا، في أي مقام أنا الآن من مقامات الطريق؟"
ويحك يا ولدي! أوهل نعبد الله عز وجل وننتصب بين يديه من أجل أن ننال المقامات والدرجات؟! إن كنتم نسيتم ما جرى في بواكير العهد، فهلموا نقلب صحائف الأيام لنقرأها معاً! أفتعبد الله ثلاثة أيام، ثم تقوم لتطلب مقاماً وتلتمس المراتب؟!
وما المقام العظيم الذي ترتجيه ويشرئب إليه عنقك؟ إنه مقام الشكر، ومقام الرضا، ومقام الحب!
أن سمح لك الحق جل جلاله ووهبك مسبحة تسبحه بها، وبسط لك سجادة صلاة تصلي عليها، ووفقك لجلسة شريفة تقعد فيها بين يديه تناجيه؛ فوالله الذي لا إله إلا هو، إن هذا لهو أعظم المقام وأجل العطايا!
وأي مقام أسمى وأجل وأرفع من أنك اقترفت الذنب وزلت بك القدم، فألهمك هو جل وعلا التوبة والرجوع والإنابة إليه؟ هذا هو المقام الحقيقي والمنح الإلهية! أبعد هذا كله تريد أن تصطنع لنفسك مقاماً موهوماً وترسم لرغباتك مرتقى صَعَباً؟!
التخلية قبل التحلية: طهارة المسبحة من رعونة النفس
واعلم يا ولدي، وعلى هدى وخطى العارفين بالله كالإمام تاج الدين ابن عطاء الله السكندري (ت: 709 هـ) ⁽³⁾ (قطب العارفين وتاج الصوفية وصاحب الحكم الخالدة)، أنه ما لم تخل مسبحتك من حبات المن والاغترار بالعمل، وما لم تطهر حباتها بدموع الاعتذار وصدق الافتقار إلى الله، فلست بمسبح بحمد الله، بل أنت مسبح بحمد نفسك وشاخص إلى ذاتك!
فهذه المسبحة التي يدور بها لسانك وتتحرك بها أصابعك، إن لم تقلل من طلباتك وحظوظك الدنيوية، وتجعل روحك تهدأ وتسكن في سيرها إلى ربها، وتكسر في باطنك كبرياء النفس فلا تتعالى ولا ترى لنفسك مزية على أحد من عباد الله، فإنك حينئذ تسبح بحمد ماذا؟
إنك في حقيقة أمرك تسبح بحمد زهو فعلك، وتطوف حول رعونة نفسك وزخرف دعواك! فاستقم كما أمرت لا كما أردت، ودع عنك هذا الجنون والفتون، ولتكن عبوديتك لله خالصة من رؤية النفس وشوائب الرياء.
