بقلم: الشيخ جابر بغدادي
هل احتفل الصحابة بالمولد النبوي
هل احتفل الصحابة بالمولد النبوي
القاعدة الأصولية المحكمة: الترك ليس بحجة في التحريم
اعلم يا ولدي هداك الله وسلك بك سبيل أهل التحقيق، أنه لا بد لنا ابتداءً من أن نقف موقف المتأمل عند قاعدةٍ جليلةٍ قدرُها، عظيمةٍ أثرُها من قواعد علم أصول الفقه، ألا وهي: "أن مجرد الترك ليس بحجةٍ في التحريم"؛ وإياك أن يتطرق إلى ذهنك الشريف أن ترك الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لأمرٍ من الأمور يقتضي بالضرورة حرمة ذلك الفعل أو تبديع فاعله؛ إذ ليس كل ما تركه النبي كان تركَ تحريمٍ .
فقد ترك الحبيبُ صلى الله عليه وآله وسلم أكلَ الضَّبِّ على مائدته، وكان تركه ذاك تركَ جِبِلَّةٍ وعادةٍ جاريةٍ في قومه، لا تركَ تشريعٍ وتحريم؛ ولهذا لمّا أكل الضَّبَّ الصحابةُ الأبرارُ على مائدته وفي حضرته الشريفة، لم يقل الشرع الشريف عنهم إنهم أتوا منكراً، ولا رمى أحدٌ منهم فاعله بأنه مبتدعٌ في الدين ⁽¹⁾.
وكذلك ترك المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم صلاة التراويح في جماعةٍ خشية أن تُفرض على الأمة، فلما كان عهد فاروق الأمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ⁽²⁾، جمع الناسَ على إمامٍ واحدٍ في صلاة التراويح، ولم يقل عنها حين رأى اجتماعهم إلا كلمته النورانية الخالدة: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ» ⁽³⁾.
وانظر كذلك يا ولدي إلى ترك كتابة السنة المطهرة في الصدر الأول؛ فقد ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم تدوين الأحاديث في صحفٍ معتمدة بل وأمر ألا يُكتب عنه شيءٌ غير القرآن الكريم، تنزيهاً للقرآن وتنزلاته في وقت النزول، حتى لا تلتَبِسَ ألفاظُ السنة الشريفة بكلمات الآيات القرآنية.
فلما انقضى ذلك العصر وكتب أئمة الهدى في القرن الثاني والثالث الهجري السنة النبوية الشريفة ودوّنوها في الجوامع والمسانيد، لم يجرؤ أحدٌ من أهل العلم والصلاح على القول إن كتابة السنة وتدوينها من البدع المذمومة.
فالترك النبوي يا ولدي يتنوع بأسباب ومقاصد؛ فمنه تركٌ للعادة، ومنه تركٌ وقع سهواً لتشريع الأحكام، ومنه تركٌ للشفقة والرحمة بالأمة، ومنه تركٌ لتنزيه كلام الله تعالى.
وكل هذه الصور النيرة تثبت ما قررناه لك بثباتٍ ويقين: من أن مجرد الترك لا يوجب التحريم أبداً.
تنزيه كتاب الله وتدرج التدوين الشريف عبر العصور:
تأمل يا بني فيما رواه الإمام أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ⁽⁴⁾ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئاً إِلاَّ الْقُرْآنَ، فَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غيرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلاَ حَرَجَ» ⁽⁵⁾.
فههنا يتجلى العجب! كيف أقدم جهابذة الأمة وأئمتها الكبار؛ كالإمام البخاري في صحيحه ⁽⁶⁾، والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ⁽⁷⁾، والإمام الترمذي في سننه ⁽⁸⁾، والإمام ابن ماجه في سننه ⁽⁹⁾— كيف دوّن هؤلاء الأعلام السنة وجمعوها في كتبهم، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال في العهد الأول لا تكتبوا عني؟!
إن هؤلاء الأئمة الأعلام كانوا على فهمٍ عميقٍ وأصولٍ راسخة بأحقية هذه القاعدة: وأن الترك لا يوجب التحريم، وأن نهي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم عن الكتابة إنما كان تنزيهاً لكتاب الله المتقن وتأصيلاً لصيانته، كي لا تختلط النصوص القرآنية بالأحاديث النبوية حال نزول الوحي.
ولهذا عاش الصحابة الكرام في العهد النبوي الأول يتداولون الحديث الصحيح شفاهيةً ويدرسونه حفظاً في الصدور لا كتابةً في السطور.
وظل الأمر على ذلك، حتى إذا رأى خليفة المسلمين الزاهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ⁽¹⁰⁾ أن العلماء يحضرهم الأجل، وأن حفاظ الحديث يرحلون إلى جوار ربهم، خَشِيَ على ضياع هذا النور النبوي، فأمر إمام الحفاظ ابن شهاب الزهري ⁽¹¹⁾ أن يجمع ويكتب الأحاديث النبوية، فجمع منها ، ثم تتابع من بعده الإمام مالك بن أنس ⁽¹²⁾، والإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني ⁽¹³⁾، وغيرهم يكتبون السنن والآثار.
حتى إذا أظل القرن الثالث الهجري، صُنفت كتب الصحاح وكتب مالك الموطأ ⁽¹⁴⁾، ودوّن العلماء أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خوفاً وحيطةً على ضياع السنة الشريفة؛ فلما رأوا أن الضرورة الماسة تقتضي تقييد الحديث الصحيح وتدوين السنة النبوية الشريفة لحفظها للأجيال، أقدموا على هذا العمل الجليل ولم يُبدّعهم أحدٌ من الأمة على الإطلاق.
فهل فهم أئمة السلف الأبرار الحديث النبوي الشريف على وفق هذا المفهوم الضيق الذي يُروّج له اليوم من أن الترك يوجب التبديع والتضليل؟! كَلاَّ والله يا ولدي! فلولا فهمهم الراسخ لما دوّن البخاري صحيحه، ولما كتب مسلمُ من بعده كِتابه ⁽¹⁵⁾، ولما صَنَّف الترمذي، ولا جَمَع أحمد بن حنبل مسنده.
وبفضيلتهم هذه وحسن فهمهم حُفظت السنة المشرفة، واستمَر العلماءُ في التدوين والتصنيف حتى تمت المدوّنات الحديثية العظمى في نهاية القرن الخامس الهجري ⁽¹⁶⁾.
وقد نظم الحافظ زين الدين العراقي ⁽¹⁷⁾ هذا التدرج المبارك في ألفيته الشهيرة فقال:
"أَوَّلُ جَامِعِ الْحَدِيثِ وَالأَثَرْ ...اِبْنُ شِهَابٍ آمِراً لَهُ عُمَرْ"
"وَالأَوَّلُ الْجَامِعُ بِالْتَّقْصِيرِ ...عَلَى الصَّحِيحِ فَقَطِ الْبُخَارِي"
"وَمُسْلِمٌ مِنْ بَعْدِهِ وَالأَوَّلُ ...عَلَى الصَّوَابِ فِي الصَّحِيحِ أَفْضَلُ" ⁽¹⁸⁾
السهو النبوي تشريع ورحمة وصيانة للقدر الشريف:
ومن اللطائف الإلهية والأسرار الفقهية العجيبة يا بني، السهو النبوي؛ وانظر كيف يروي الإمام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ⁽¹⁹⁾ حديث الصلاة فيقول: "قال إبراهيمُ الراوي: لا أدري أزاد النبيُّ أم نقص، فلما سَلَّم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «وَمَا ذَاكَ؟» قالوا: صليت كذا وكذا.
فلم يتذكر صلى الله عليه وآله وسلم أزاد أم نقص، وذلك لئلا يُظن أن هناك ذاكرةً من المخلوقين تقوى على الاستحضار المطلق كاستحضار حضرتِه الشريفة، فنسي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لحكمةٍ جليلة، ونسي الراوي معه ضبطَ الزيادة أو النقصان لحكمةٍ تتبعها!
فلما سلَّم صلى الله عليه وآله وسلم وقيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «وَمَا ذَاكَ؟» قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه الشريفتين واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلَّم، فلما أقبل علينا بوجهه الشريف الأنوَر قال: «إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاَةِ شَيْءٌ لأَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ»" ⁽²⁰⁾.
وفي هذا المعنى الروحي البديع، يتساءل العارف بالله بلسان الحب والتعظيم، موجهاً السؤال لكل من لم يدرك أسرار التنزلات الإلهية:
"يَا سَائِلِي عَنْ سَهْوِ رَسُولِ اللهِ كَيْفَ سَهَا ...وَالسَّهْوُ مِنْ كُلِّ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهِ؟"
"قَدْ غَابَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سِرُّهُ فَسَهَا ...عَمَّا سِوَى اللهِ فَالْتَّعْظِيمُ لِلهِ!" ⁽²¹⁾
فهو صلى الله عليه وآله وسلم لم ينسَ غفلةً ولا لاهياً، وإنما غاب سرُّه الشريف في جلال الله تعالى ورعايته، فسهى عما سوى الله لتتحقق التشريعات والتسهيلات لأمته من بعده.
تنوع صور الترك: ترك لعادته الفطرية و الشفقة بالعباد:
وانظر يا ولدي إلى ترك الجبلة والطبع؛ فقد أُتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بضبٍّ مَشويٍّ وقُدِّم إليه، فلما مدَّ يده الشريفة ليأكل منه قيل له: ما هذا؟ قالوا: ضَبٌّ.
فكفَّ يده الشريفة عنه.
فقالوا له على الفور: أُحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: «لاَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» ⁽²²⁾.
أي ليست نفسي الشريفة تميل إلى تناوله لعادتها الفطرية، لا أنه حرامٌ في شريعة الله.
وهناك تركٌ آخر أصله الشفقة بالعباد والرحمة بهم؛ كما قال صلوات ربي وسلامه عليه: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ» ⁽²³⁾.
فتركه لفرضية السواك عند كل صلاة لم يكن تحريماً للسواك ولا كرهاً له، وإنما كان تركَ شفقةٍ ورحمةٍ مخافةَ المشقة على الأمة!
أما ما يلهج به بعض الناس باستدلالٍ في غير موقعه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ» ⁽²⁴⁾؛ فاعلم يا بني بحسن الفهم أن المراد بـ "كل محدثةٍ بدعة": هي كل محدثةٍ تُحدث وتُبتدع في الدين مما يخالف أصوله وتم فصلها عن القواعد الشرعية الثابتة، لا كل ما أُحدث على وفق القواعد والمصالح المرسلة المعتبرة.
ولنتساءل هنا يا ولدي لنستجلي الحقيقة: متى تماضافة النقط القرآن الكريم وتنقيطه بالشكولات ؟ لقد جرى ذلك في أواخر الصدر الأول من الإسلام! فقد مرَّ عصر أمير المؤمنين أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم أجمعين، والقرآن يكتب في المصاحف مصحفاً إماماً خالياً من النقط والتشكيل؛ فهل الذي نقط المصحف الشريف ليُيسر قراءته على أجيال المسلمين يُعد مبتدعاً ضالاً في النار؟! حاشا وكلا!
فليتدبر الفطن ما رواه الإمام أبو هريرة رضي الله عنه ⁽²⁵⁾ في صحيحَي البخاري ومسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ» ⁽²⁶⁾.
فيستقر في عقيدتك وفهمك يا ولدي: أن الأصل في الأشياء والعبادات والمعاملات والعادات هو الإباحة والجواز، ما لم يرد نصٌّ شرعيٌّ خاصٌّ أو أصلٌ قطعيٌّ يوجب التحريم.
