Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

الشكر عبادة الشاهدين: لماذا يقل الشكر؟ - عقيدة الشكر عند الدكتور جابر بغدادى

«الشكر ترجمان الشهود» هكذا يضع الدكتور جابر بغدادى مفتاح عقيدة الشكر؛ فالقلب إذا شاهد مِنَّة الله شكر، وإذا غفل شكا. مقال يستنبط من عقيدة أهل السنة الفرق بين العبد الشكور والعبد الجاحد، ويسرد قصة نوح عليه السلام مع قومه، وحديث خباب بن الأرت، وحديث تورُّم قدمي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ليؤصل أن الشكر شهود لا تكلُّف، وأن من عجز عن شكر النعم فهو محجوب عن مشاهدتها.

## الشكرُ ترجمانُ الشهود: حين ينطق القلبُ بما رآه يفتح الدكتور جابر بغدادى هذا المقطع بكلمة قصيرة، لكنها تحمل في طيّها أصلاً عقدياً عظيماً: "قليل قوي اللي بيقول: شكراً". هذه الجملة ليست شكوى عابرة من قلة الشاكرين، بل هي تأصيل لحقيقة إيمانية يقررها الشيخ بوضوح، وهي أن "القلب أول ما يشاهد؛ يشكر الله، وأول ما يغفل؛ يشكي". فالشكر عند الشيخ ليس فعلاً لسانياً منفصلاً عن حال القلب، بل هو نتيجة طبيعية وحتمية لحالة معينة يكون فيها القلب، وهي حالة "الشهود". فمتى ما شاهد القلب فضل الله وإحسانه ونعمته في كل شيء، انطلق اللسان بالحمد والشكر تلقائياً، لا تكلفاً ولا تصنعاً. وعلى النقيض من ذلك، إذا أصاب القلبَ الغفلةُ عن مشاهدة هذا الفضل، انقلب اللسان إلى الشكوى، لأن الشكوى -كما يُفهم من سياق كلام الشيخ- هي نتيجة الحجاب عن رؤية اليد الإلهية الممتدة بالنعم في كل لحظة. ولهذا يستشهد الشيخ بقوله تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾¹، وهي آية تقرر حقيقة قرآنية ثابتة وهي أن صفة "الشكور" -بصيغة المبالغة التي تدل على كثرة الشكر ودوامه- صفة نادرة بين العباد، وهذا يتوافق تماماً مع أصول العقيدة الصحيحة التي تقرر أن الشكر الحقيقي هو عبادة قلبية قبل أن يكون قولاً لسانياً، وأنه لا يتحقق إلا لمن رزقه الله نور البصيرة ليرى نعمه. ثم يضيف الشيخ مثالاً عملياً يقرب هذا المعنى، فيقول: "إن الله [ليرضى] عن العبد؛ يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها، وقليل من عباده الشكور".

وهذا المثال مأخوذ بمعناه من حديث نبوي ثابت، رواه الإمام مسلم في صحيحه²، يقرر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يرضى عن عبده إذا أكل الطعمة فحمد الله عليها، وإذا شرب الشربة فحمد الله عليها. وهذا الحديث الصحيح يؤكد عقيدة سنية راسخة، وهي أن أصغر الأفعال اليومية -الأكل والشرب- يمكن أن تكون عبادة موصلة لرضا الله، إذا صاحبها شهود القلب وحمد اللسان، وهذا ينسف أي مفهوم خاطئ قد يظن أن العبادة محصورة في الشعائر الكبرى فقط، بل العبادة تمتد لتشمل كل حركة وسكنة إذا صاحبها الشكر والشهود.

## وأين الصفا؟ دروس من معاناة الأنبياء والصالحين في طريق الشكر ثم ينتقل الشيخ إلى بيت شعري بليغ يؤصل فيه معنى الرضا بالمكاره في طريق المحبة، فيقول: "وكل أذى في الحب منك إذا بدا .. جعلتُ له شكري مكان شكايةِ وأين الصفا؟ هيهات من عيش عاشقٍ .. وجنة عدن بالمكاره حُفّتِ ولو خطرت لي في سواك إرادةٌ .. حكمتُ بشقوتي." وهذه الأبيات -التي استشهد بها الشيخ جابر بغدادى لتقريب المعنى الوجداني للمستمع- تقرر أصلاً عقدياً مهماً جداً، وهو أن طريق محبة الله ليس طريقاً مفروشاً بالراحة الدائمة، بل هو طريق يتخلله الأذى والمكاره، والعبد الصادق في محبته لربه يستقبل هذا الأذى بالشكر لا بالشكوى، لأنه يعلم أن المكاره جزء من سنة الابتلاء التي لا ينفك عنها أحد من عباد الله الصالحين، وهذا يتوافق مع ما ثبت في صحيح الحديث النبوي من أن الجنة محفوفة بالمكاره³، وفي هذا تحذير ضمني من عقيدة خاطئة قد يتوهمها بعض الناس، وهي أن الإيمان والقرب من الله يلازمه بالضرورة راحة الدنيا وسعتها، وهذا فهم باطل يخالف سنة الله في أنبيائه ورسله وأصفى خلقه. ولهذا يسأل الشيخ بتعجب وتحسر: "وأين الصفا؟ هي صفت لمين في الدنيا قبلنا من الصالحين عشان تزهزه لنا إحنا؟!"، وهذا السؤال البليغ يضع المستمع أمام حقيقة تاريخية وعقدية ثابتة، وهي أن الدنيا لم تصفُ صفواً كاملاً لأحد من الأنبياء والصالحين، فكيف يتوقع المؤمن العادي أن تصفُو له دون أن يمسه أذى؟ ثم يضرب الشيخ المثال الأعظم على هذا الأصل، فيقول: "انظروا إلى نوح.. نوح.. انظروا إليه صلى الله عليه وسلم وهو يمر.. يمر على خباب بن الأرت"، وهنا ذكر الشيخ اسم سيدنا نوح عليه السلام عرضاً سريعاً ضمن سياق استحضار معاناة الأنبياء، ثم انتقل مباشرة إلى الموقف العظيم الذي وقع لرسولنا صلى الله عليه وسلم مع الصحابي الجليل خباب بن الأرت رضي الله عنه، وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام، الذي عُذِّب أشد العذاب في مكة من أجل ثباته على دينه⁴. ويسرد الشيخ هذه القصة العظيمة بتفاصيلها الدقيقة كما وردت في صحيح البخاري⁵، حيث جاء خباب بن الأرت رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، وقد نالهم من قريش عذاب شديد، فقال له: "يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟" فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له الكلام النبوي العظيم الذي يحمل في طياته عقيدة الصبر والثبات: «والله يا خباب، لقد كان فيمن كان قبلكم يُؤتى بالرجل، ويُحفر له حفرة، ويُؤتى بأمشاط الحديد فيُفصل بها ما دون لحمه عن عظمه، ما يرده ذلك عن دين الله شيئاً. وليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على الغنم، ولكنكم قوم تستعجلون»⁵. وهذا الحديث الصحيح المتفق على صحته بين أهل الحديث، يقرر عقيدة عظيمة في الثبات على الدين، وهي أن نصرة الله قادمة لا محالة، لكن الاستعجال صفة بشرية يحذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الصبر على الأذى في سبيل الدين هو طريق الذين سبقونا، ولم يكن أحد منهم بمعزل عن المكاره، بل كان أشدهم أذى أشدهم قرباً من الله.

## شكرٌ بلا غرور: لما عجز الجسد، نطق القلب المتواضع ثم يعود الشيخ بالمستمع إلى موقف نبوي آخر، وهو في غاية الأهمية لتأصيل عقيدة الشكر السليمة الخالية من أي شائبة غرور أو نسبة الفضل إلى النفس، فيقول: "من عجزه في الشكر، واقف يصلي لَمّا يبدّل في رجليه الاثنين، قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟»". وهذا الموقف مأخوذ بمعناه ونصه من الحديث الثابت الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه⁶، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الليل حتى تتفطر قدماه، فقيل له: لِمَ تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟»⁶. وهنا يقف الشيخ جابر بغدادى وقفة دقيقة جداً عند لفظ هذا الحديث، يستخرج منها لطيفة عقدية بالغة الأهمية، فيقول معلقاً: "ما قالش: أفلا أكون شكوراً عشان ما يشوفش للنفس مزية على ربنا في الشكر". وهذه الملاحظة النبوية اللفظية الدقيقة من الشيخ تكشف عن أصل عقدي عظيم، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم -وهو سيد الشاكرين- لم يقل "أفلا أكون شكوراً" بصيغة الإطلاق التي قد تُفهم منها نسبة الكمال للنفس أو استقلالها بصفة الشكر، بل قال "عبداً شكوراً"، مقرناً صفة الشكر بصفة العبودية المطلقة لله. وهذا التنبيه من الشيخ يحمل في داخله تحذيراً صريحاً من أي فهم خاطئ قد يتسرب إلى عقيدة بعض الناس، وهو الزعم بأن الإنسان يملك من نفسه قدرة الشكر استقلالاً عن توفيق الله وفضله، فحاشا أن يكون هذا مراد النبي صلى الله عليه وسلم، بل المراد أن الشكر نفسه نعمة وتوفيق من الله يستوجب شكراً آخر، وأن العبد لا ينسب لنفسه فضلاً في عبادته، بل الفضل كله لله الذي وفقه ويسر له هذا الشكر، وهذا هو عين عقيدة أهل السنة والجماعة في باب التوفيق والمنّة، إذ يجمعون بين إثبات فعل العبد ونسبة التوفيق فيه إلى الله وحده، دون أن يقعوا في تعطيل فعل العبد أو الجبر الذي ينسب كل شيء للقدر مع إسقاط مسؤولية العبد، فالنبي صلى الله عليه وسلم قام وصلى وتفطرت قدماه بفعله واختياره، ولكنه نفى عن نفسه أي مزية أو استقلال في هذا الفعل عن فضل الله ومنته وتوفيقه.

## ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾: الشهودُ غايةُ التكليف لا الشقاء ثم يصل الشيخ إلى تأصيل قرآني عميق يربط فيه بين هذا الموقف النبوي وغاية إنزال القرآن أصلاً، فيستشهد بقوله تعالى ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾⁷، ويشرح هذه الآية بأسلوب مباشر يخاطب فيه المستمع بضمير الجمع الذي يحمل معنى ربوبية الحق سبحانه، فيقول: "إحنا مش عايزين نورِّم رجلك ولا نتعبك طول الليل، كل غاية ما هنالك عايزينك تشاهد فتشكر". وهذا التفسير الذي يقرره الشيخ يتوافق مع ما ذكره جمهور المفسرين في تفسير هذه الآية، من أن الله تعالى لم ينزل القرآن ليكون عبئاً وشقاءً على النبي صلى الله عليه وسلم أو على أمته، بل أنزله رحمة وهداية وذكرى، وأن غاية العبادة والتكليف ليست التعذيب أو التحميل بما لا يُطاق، بل الغاية الحقيقية -كما يقررها الشيخ- هي "المشاهدة" التي تُثمر "الشكر". ثم يستفيض الشيخ في بيان هذه الغاية العظمى من التكليف كله، فيقول: مش منزلينه عليك عشان تشقى، إنما نازل عشان تشهد وتشاهد، حتى لا ترى في الكون غيرنا، ولا تعتمد في هذا الوجود إلا علينا، ولا تتكلم إلا عنا، ولا تتكلم إلا معنا". وهذا الكلام يؤصل عقيدة التوحيد الخالص في باب الأفعال والاعتماد والتعلق، وهو أن غاية الشريعة ومقصدها الأعظم هو أن يصل القلب إلى درجة لا يرى فيها مدبراً للكون ولا متصرفاً فيه إلا الله، ولا يتعلق برجاء أو خوف إلا بالله، وهذا هو عين توحيد الأفعال الذي يقرره أهل السنة، وهو إثبات أن الله وحده هو الفاعل المدبر لكل شيء في الكون، مع إثبات أن العبد فاعل حقيقي لفعله مسؤول عنه، لكن اعتماد القلب وتعلقه لا يكون إلا بمسبب الأسباب سبحانه وتعالى. ويختم الشيخ هذا المقطع بقاعدة عقدية جامعة ودقيقة جداً، تصلح أن تكون ميزاناً يزن به كل مؤمن حال قلبه، فيقول: "فكلما اتسع مشهد القلب؛ زادت ترجمة اللسان بالشكر، وكلما ضاق القلب وانزعج؛ عجَّ اللسان بالشكوى". وهذه القاعدة تلخص كل ما سبق من معاني هذا المقطع، فهي تقرر علاقة طردية ثابتة بين سعة مشهد القلب -أي إدراكه لفضل الله ونعمه وحكمته في كل ما يجري- وبين امتلاء اللسان بالشكر، وفي المقابل علاقة أخرى بين ضيق القلب وانزعاجه -أي غفلته عن هذا المشهد العظيم- وبين امتلاء اللسان بالشكوى والتسخط. وهذا الميزان العقدي الدقيق ينبه المؤمن إلى أن علاج الشكوى ليس بكبت اللسان عنها تكلفاً، بل بإصلاح القلب وتوسيع مشهده بحقائق الإيمان، حتى ينقلب التسخط شكراً، والضيق سعة، تصديقاً لقول الله تعالى وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم في عبودية الشكر التي لا يبلغها إلا القليل من عباده.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.