حصن العقيدة: أسرار توحيد الأسماء والصفات في فهم حقيقة الضار النافع ومعية المُسَبِّب
كمال الاعتقاد في توحيد الأسماء والصفات: اقتران الجلال بالجمال اعلم يا ولدي، وفقني الله وإياك لفهم عقيدة التوحيد الصافية، أن من أصول العقيدة السليمة وكمال الأدب مع أسماء الله الحسنى، ألا يُذكر اسم الله "الضار" منفرداً في مقامات الثناء والدعاء؛ بل لا بد عقداً وشرعاً أن يُلحق باسمه "النافع"، حتى لكأنّ "النافع" نعتٌ وصفةٌ متلازمةٌ لـ "الضار" ⁽¹⁾.
ولعلك تتساءل في سِرِّكَ يا ولدي باحثاً عن العلة العقدية في ذلك: لِمَ وجب هذا الاقتران؟ فأجيبك بأن هذا التلازم إنما جُعل لتعرف وتستيقن أن هذا الكون العظيم له ربٌّ قاهرٌ يتصرف فيه بحكمة، وأن هذه المملكة الواسعة لها مُدبرٌ حكيمٌ يديرها بقدرته.
فإذا اجتمع الاسمان في قلب الموحد، تجلى له كمال القدرة الإلهية المنزهة عن العبث؛ إذ لو ذُكر "الضار" وحده لأوهم نقصاً يتنزه عنه الخالق جل جلاله، ولكن باقترانه بـ "النافع" يتأكد للمؤمن أن الضر لا يقع إلا لحكمة بالغة تؤول في نهايتها إلى نفعٍ محقق.
حقيقة الأسباب والمسببات في ميزان العقيدة: السحر أُنموذجاً وضَعْ نُصْبَ عينيك، وتأمل معي بعين البصيرة واليقين في قول الله تبارك وتعالى، حين وضع قاعدة عقدية فاصلة في مسألة الأسباب وتأثيرها: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ⁽²⁾.
وتوقف معي هنا لنتدبر؛ قوله تعالى: "بِه"..على مَن تعود هذه الهاء؟ إنها تعود على ما نَصَّت عليه الآية الكريمة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ⁽³⁾.
لقد كان هؤلاء القوم قد بلغوا شأواً بعيداً وكانوا حاذقين في الكفر بقوة، ومتمكنين في فنون السحر تمكناً شديداً به، ومع ذلك، جاء النص القرآني ليحسم القضية العقدية: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
وهنا يا ولدي أقف بك موقفاً احترازياً دقيقاً في عقيدة أهل السنة والجماعة؛ فإياك أن تفهم من نفي التأثير الذاتي للأسباب إبطالاً لها بالكلية أو ميلاً إلى "عقيدة الجبرية" الباطلة التي تسلب العبد إرادته وتلغي سنن الله في الكون.
بل العقيدة الصحيحة أن السحر أو المرض وإن كان موجوداً، وإن سار وجرى في مقدرات حياتك، فهو مجرد "فعل السبب للسبب"، يخلق الله عنده الأثر ولا يخلقه السبب بذاته.
أما العبد الموحد الذي استوطن قلبه مع "المُسَبِّب" جل جلاله، فهو محكومٌ عليه بمانع قول الله ونافع قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ⁽⁴⁾.
فالأسباب لا تعمل إلا بمشيئة خالقها، ولا سلطان لها على من لاذ بحمى التوحيد الصافي.
حكمة الابتلاء وتنزيه الله عن الظلم: مراقي الرضا لذا، كان لزاماً علينا في صميم العقيدة أن نقرن اسم الله "الضار" بذكر اسمه "النافع"؛ لأنه سبحانه وتعالى في الوقت الذي يقدِّر فيه الضر، فإنه ينفع به عبده نفعاً عظيماً.
فحقيقة الإلهية المنزهة توجب الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى لا يضر أحداً ليعتدي عليه، حاشاه سبحانه وتعالى عن الظلم، فهو العدل الرحيم.
إنما قد يأذن الخالق جل وعلا لسببٍ من الأسباب أن يضر العبد في الظاهر، ليكون هذا الضر الباطن وسيلةً ليرقيه في مراقي الرضا ومقامات اليقين.
وكما نرى في واقعنا، قد يضر الله إنساناً فيأذن لفيروسٍ صغير أن يبتليه بمرض؛ فعارض هذا المرض الظاهري يأخذ بيد العبد وروحه ليرتمي في رحاب مرضات الله ويلوذ ببابه، ليتحقق فيه الوعد الإلهي: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ⁽⁵⁾.
فما كان الضر هنا إلا عين النفع وعين الرحمة، وهذا هو جوهر الإيمان بالقدر خيره وشره، وحسن الظن برب العالمين.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (حصن المعية الإلهية: أسرار اقتران اسمي الله الضار والنافع في دفع البلاء)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه القلوب والأسباب: التكييف الفقهي لاقتران الضار بالنافع وحكم التعامل مع البلاء)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات الرضا والتسليم: أسرار التزكية في اقتران الضار النافع والتحصن بمعية المُسَبِّب)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التأصيل العلمي والأدبي لأسرار اقتران أسماء الجلال والجمال)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (الخوف من السحر وأذى الخلق: كيف أتحصن بمعية الله؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (الابتلاء بالمرض والأوجاع: كيف أصل إلى مقام الرضا وأدفع عني السخط؟)الأسئلة
وقت القراءة 4
